الملتقى الإعلامي العربي في بيروت: منصة للحوار واستشراف مستقبل الإعلام

بقلم: لبنى عويضة…
خاص: جريدة الرقيب الالكترونية
على مدى يومين متتاليين (29 و30 تشرين الأول/اكتوبر 2025)، احتضنت العاصمة اللبنانية بيروت أعمال الدورة الحادية والعشرين لـ «الملتقى الإعلامي العربي» تحت شعار «الإعلام والتنمية… شركاء الحاضر تحالف المستقبل»، برعاية رئيس الجمهورية اللبنانية جوزاف عون وبالتعاون مع وزارة الإعلام اللبنانية. شكّل الملتقى منصة نادرة لإعادة النظر في دور الإعلام ليس فقط في لبنان، بل في المنطقة العربية بأسرها، في وقت يرزح فيه البلد تحت وطأة أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية متلاحقة.
يأتي الملتقى في توقيت محوري، حيث يبحث لبنان اليوم عن الاستقرار، ويُعدّ الإعلام أحد العوامل الرئيسية التي تشكّل وجه الدولة داخلياً وخارجياً. في هذا السياق، اختار المنظمون أن تكون بيروت مركزاً للحوار الإعلامي العربي، في رسالة واضحة مفادها أن العاصمة اللبنانية لا تزال منصة للحوار والنقاش، وأن الإعلام هو شريك في التنمية وليس مجرد ناقل للأخبار.
تميزت جلسات الملتقى بحضور كوكبة من الوزراء الحاليين والسابقين والإعلاميين البارزين من لبنان ودول عربية مختلفة، إضافة إلى باحثين وفنانين واقتصاديين، ما منح الحدث بعداً استراتيجياً واسعاً. هذا التنوع في المشاركين أتاح مناقشة المحاور المختلفة من زوايا متعددة، تراعي خصوصية كل دولة، وتسلط الضوء على أفضل الممارسات في القطاع الإعلامي العربي. كما عزز الحوار بين الخبرات المختلفة، وجعل من الملتقى منصة لتبادل الرؤى حول دور الإعلام في التنمية، التكنولوجيا، الفن، ومواجهة الأخبار المضللة.
اختتم الملتقى أعماله في مركز التدريب والمؤتمرات بمبنى الإدارة العامة لطيران الشرق الأوسط في مطار رفيق الحريري الدولي، بحضور أمين عام الملتقى ماضي الخميس ووزير الإعلام اللبناني بول مرقص، وتناول المشاركون مشروع قانون الإعلام الجديد في لبنان. وأعلن الوزير مرقص أن القانون الحالي يبلغ عمره ثلاثين عاماً، وأن مشروع القانون الجديد قيد التعديل والمناقشة في مجلس النواب ليصبح قانوناً عصرياً يواكب التطور التكنولوجي ويدعم الرقمنة والمواقع الإلكترونية، مع احترام المعايير الدولية. وأكد أن أي صحافي لن يُسجن في هذا التوجّه القانوني الجديد، مشدداً على أن حماية الحريات الإعلامية ستكون أحد أبرز محاور التشريع، ما يضع الإعلام اللبناني في سياق حديث ومتطور.
من جهته، شدّد الأمين العام للملتقى ماضي الخميس على أن اختيار بيروت لهذا الحدث يحمل رسالة رمزية قوية: لبنان سيبقى مسرحاً للحوار الإعلامي العربي مهما كانت الظروف، وأن الإعلام قادر على لعب دور محوري في بناء الثقة وإعادة صياغة الواقع الإعلامي العربي.
الإعلام والتنمية المستدامة
ركزت بعض الجلسات على الإعلام والتنمية المستدامة، بمشاركة شخصيات بارزة من لبنان ودول عربية مختلفة، ما منح الحدث بعداً عربياً عابراً للحدود. ناقش المشاركون الإعلام كـ «شريك تنموي» لا مجرد واجهة خبرية، مؤكدين أن الإعلام قادر على تحفيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية، خصوصاً في لبنان حيث التعافي يشكل تحدياً كبيراً. كما شددوا على أهمية التركيز ليس فقط على نقل الخبر، بل على كيفية نقله، بما يشمل تشريعات، أخلاقيات، تنظيم، ودور الجمهور والمجتمع في صياغة المحتوى.
الإعلام والاقتصاد
ارتبطت جلسة أخرى بالإعلام والاقتصاد، حيث ناقش المشاركون قدرة الإعلام على خلق بيئة استثمارية، جذب رؤوس الأموال، وزيادة الشفافية عبر الشراكات بين المؤسسات الإعلامية والمالية، والتخطيط الإعلامي كجزء من التنمية الاقتصادية. هذا المحور يكتسب أهمية خاصة للبنان، إذ غالباً ما يُنظر إلى الإعلام كتكلفة أو مساحة صراع، بينما يُطرح اليوم كقطاع إنتاجي قادر على دفع النمو الاقتصادي.
التكنولوجيا ومستقبل الإعلام
شهدت جلسة أخرى نقاشاً حول مستقبل الإعلام في ظل تطورات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، مؤكدة أن التحول الرقمي لم يعد خياراً بل ضرورة. ركز النقاش على تنظيم المنصات الرقمية والمواقع الإلكترونية، التحديات الأخلاقية المرتبطة بسرعة الأخبار والتضليل، وتأهيل الإعلاميين ليصبحوا منتجين ومبدعين ومنصات بحد ذاتها، مع الالتزام بمهنية المحتوى وجودته.
الفن في خدمة التنمية
تطرقت جلسة الفن إلى دوره في خدمة التنمية، حيث أشار المشاركون إلى أن الإنتاج الفني، عند نقله عبر وسائل الإعلام، يُسهم في تعزيز الثقافة والقيم المجتمعية، ويعيد الاعتبار للهوية العربية في الإعلام. في السياق اللبناني، للفن جذور عميقة ترتبط بالإعلام، ما يجعل هذا المحور مسعى لإعادة استثمار هذا التاريخ في مستقبل إعلامي أكثر شمولية.
مواجهة الأخبار المضللة
ناقشت إحدى الجلسات تأثير الأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة على التنمية، بمشاركة خبراء من اليونسكو ودول عربية مختلفة. وأكد المشاركون أن الإعلام يجب أن يكون مهيأً ليس فقط لبث الأخبار، بل لضمان موثوقيتها، لأن التضليل يقوّض ثقة الجمهور ويضعف برامج التنمية التي تعتمد على إعلام مسؤول.
نحو ميثاق إعلامي عربي
اختتم الملتقى أعماله بالحديث عن تحالف المستقبل وصياغة ميثاق إعلامي عربي لدعم التنمية المستدامة، وهي خطوة عملية لتوحيد المعايير الأخلاقية والمهنية للإعلام في المنطقة، وتحويل الحوار إلى إجراءات قابلة للتطبيق، سواء عبر قوانين أو تدريب أو آليات متابعة.
أهمية لبنان في هذه المرحلة
رغم الأزمات الاقتصادية والسياسية، يظل لبنان منصة فكرية وإعلامية عربية، واستضافة الملتقى تؤكد أن الإعلام قادر على إعادة ترتيب أوراقه من بيروت. القانون الجديد، الذي أشار إليه الوزير مرقص، يظهر أن النقاش لم يعد نظرياً، بل عملياً، مع إشراك جميع الجهات المعنية لتطوير الإعلام بما يواكب العصر الرقمي.
التحديات والآفاق المقبلة
رغم الإنجازات التي شهدها الملتقى، يبقى الطريق أمام الإعلام العربي مليئاً بالتحديات. يتطلب المستقبل تحويل النقاشات النظرية إلى خطوات عملية ملموسة، بدءاً من تطبيق الميثاق الجديد وتفعيل القوانين الإعلامية، وصولاً إلى تنسيق الجهود بين الدول والمؤسسات العربية. كما يفرض التطور الرقمي السريع تحديث أساليب العمل الإعلامي ومواجهة التضليل الرقمي بفعالية. في الوقت نفسه، يجب إيلاء اهتمام بالغ بصحة الإعلاميين النفسية والمهنية، لضمان أن يكونوا قادرين على أداء مهامهم في بيئة متغيرة ومعقدة، دون أن تهدد الضغوط جودة العمل الإعلامي أو الاستقرار الشخصي.
ختاماً، الملتقى الإعلامي العربي في بيروت تجاوز كونه حدثاً سنوياً، ليصبح لحظة فاصلة يمكن أن ترسم ملامح مستقبل الإعلام العربي. استضافة لبنان لهذا الحدث في ظل الظروف الحالية تحمل رسالة واضحة: الإعلام ليس مجرد أداة لنقل الأخبار، بل عامل تمكين حقيقي قادر على تعزيز التنمية، صون الحريات، وإعادة بناء الثقة داخل المجتمع. نجاح هذا المسعى يعتمد على قدرة المشاركين على تحويل الحوار إلى برامج قابلة للتطبيق، من قوانين وممارسات تدريبية إلى آليات متابعة فعالة، لتصبح بيروت منصة تنطلق منها مبادرات تغيّر المشهد الإعلامي العربي نحو الأفضل.





