راديو الرقيب
خاص الرقيبخاص سلايدرمقالات

من طرابلس: وزير الإعلام يرسم حدود الحرية الإعلامية ومعناها الوطني!

بقلم: لبنى عويضة…
خاص: جريدة الرقيب الالكترونية

لم يكن اللقاء الحواري الذي جمع الإعلاميين بوزير الإعلام المحامي د. بول مرقص، في معرض رشيد كرامي الدولي – طرابلس، مجرّد مناسبة بروتوكولية أو مساحة تقليدية لتبادل الأسئلة والأجوبة. بل بدا، منذ لحظاته الأولى، محاولة واعية لإعادة طرح سؤال الإعلام من زاوية دوره الوطني، وحدود مسؤوليته، وموقعه بين الحرية والالتزام، في بلد أنهكته الصورة قبل أن تنهكه الأزمات.

من طرابلس، المدينة التي طالها التشويه أكثر مما طالها الإنصاف، اختار الوزير مرقص أن يضع الإعلام في صلب المعادلة. فالحديث عن المدينة لم يكن توصيفًا عاطفيًا، بل تشخيصًا لمعضلة متراكمة: مدينة دفعت ثمنًا مضاعفًا، مرة بفعل الإهمال، ومرة بفعل صورة إعلامية غير متوازنة، اختزلت واقعها وتجاهلت إمكاناتها.

في هذا السياق، برز تشديد الوزير على أنّ الإعلام ليس مجرّد ناقل للحدث، بل شريك في صناعة الوعي العام، وقادر، بحسن أو سوء استخدامه، على ترسيخ صورة أو هدمها. من هنا، جاءت دعوته إلى إعلامٍ أكثر دقة، وأكثر مسؤولية، لا يتنازل عن حريته، لكنه لا يحوّلها إلى أداة إيذاء جماعي أو فردي.

اللافت في مقاربة مرقص، أنّه لم يسقط في فخ الوصاية على الإعلام، بل سعى إلى ترسيم حدود واضحة بين الدور السياسي ودور المؤسسة الإعلامية. تأكيده المتكرر على استقلالية تلفزيون لبنان لم يكن تفصيلاً عابرًا، بل رسالة مباشرة في زمن يختلط فيه النفوذ بالتحرير، والقرار السياسي بالمحتوى الإعلامي. فالتلفزيون الرسمي، بحسب ما شدّد عليه، يعمل وفق معايير مهنية واضحة، ولم تُتخذ أي قرارات بالخروج عنها أو تكييفها تبعًا لأهواء أو ضغوط.

وفي مقابل هذا التشديد على الاستقلالية، فتح الوزير الباب أمام النقاش، وأمام الأفكار الجديدة، واضعًا إياها ضمن إطار التخطيط لا الارتجال، والاستراتيجية لا الفورة. فالإعلام، كما عكس اللقاء، لا يُدار بتراكم الاقتراحات وحدها، بل بقدرة المؤسسات على غربلتها، ودمجها ضمن رؤية متماسكة، تحاكي الواقع وتستشرف المستقبل.

أما طرابلس، فكانت الحاضر الغائب في كل تفصيل. من فكرة إعداد تقارير منهجية تُبث على مدى أشهر، إلى اقتراح إنشاء استوديو دائم لتلفزيون لبنان في المدينة، وصولًا إلى الدعوة لتكريم إعلاميي الشمال بمساحة عامة تحمل اسمهم، بدت المقاربة واضحة: إعادة إدخال طرابلس إلى الخريطة الإعلامية الوطنية، لا كعنوان أزمات، بل كمدينة حياة، وإنتاج، وثقافة، وانتماء.

ولعلّ ما منح اللقاء بعده التحليلي الأعمق، هو انتقال النقاش من الصورة إلى البنية، من صورة المدينة في الإعلام، إلى صورة الإعلام نفسه. مداخلات الصحافيين حول الصحافة الورقية، التمويل، التراخيص، والضمانات الاجتماعية، كشفت حجم الأزمة التي يعيشها القطاع، وأعادت التذكير بأنّ إعلامًا هشًّا اقتصاديًا، يبقى مهددًا في استقلاله، مهما حسنت النوايا.

في المحصلة، لم يقدّم لقاء ” الإعلام في خدمة الوطن” أجوبة نهائية بقدر ما أعاد طرح الأسئلة الصحيحة. أسئلة عن وظيفة الإعلام في زمن الانهيار، وعن حدود الحرية، وعن مسؤولية الكلمة حين تتحوّل إلى رأي عام. ومن طرابلس تحديدًا، بدا السؤال أكثر إلحاحًا: كيف يمكن للإعلام أن يكون جزءًا من الحل، لا مرآةً إضافية للأزمة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock