راديو الرقيب
خاص الرقيبخاص سلايدرمقالات

على حافة التعطيل: شدّ الحبال والنصاب كسلاح ذي حدّين

بقلم: لبنى عويضة…

خاص: جريدة الرقيب الالكترونية

بعد غيابٍ دام أكثر من شهرين، تتجه الأنظار إلى الجلسة التشريعية المقرّر عقدها غدًا، في ظل جدول أعمال مثقل بمشاريع واقتراحات قوانين، تغيب عنه، رغم الإلحاح، مشاريع تعديل قانون الانتخاب، سواء سهوًا أو قسرًا. هكذا، لا تعود الجلسة مجرّد استحقاق برلماني عادي، بل تتحوّل إلى ساحة اختبار جديدة لميزان القوى داخل النظام السياسي، وللعلاقة الملتبسة بين التشريع والسياسة، وبين النص الدستوري واستخدامه كأداة ضغط متبادل.

في هذا السياق، تهيمن أجواء الترقّب والضبابية بانتظار ما ستؤول إليه الساعات القليلة المقبلة، وسط سؤال مركزي: هل سيتأمّن النصاب، أم تتكرّر تجربة تطيير الجلسات السابقة؟

شكليًا، يدور الخلاف حول إدراج أو عدم إدراج مشروع تعديل قانون الانتخاب على جدول الأعمال. أمّا جوهريًا، فالمواجهة أعمق بكثير، وتعكس صراعًا مزمنًا على إدارة اللعبة البرلمانية، وعلى من يمتلك حق التحكّم بإيقاع المؤسسات وتوقيت فتح الملفات الحسّاسة أو إبقائها معلّقة. وبين من يعتبر الحضور واجبًا دستوريًا، ومن يستخدمه كأداة ضغط سياسية، يضيع الملف بين أحقيات متناقضة ومنطق “ما يحق لي لا يحق لغيري”.

من موقعه الدستوري، يتعامل رئيس مجلس النواب مع الجلسة بوصفها استكمالًا لمسار تشريعي لم يُقفل، مقدّمًا أولوية استمرارية التشريع على أي اشتراط سياسي، ومحمّلًا القوى المقاطعة مسؤولية تعطيل الجلسات وتأخير ملفات يعتبرها حيوية. في المقابل، ترى القوى المقاطعة أن الاعتراض يتجاوز مسألة الحضور أو الغياب، ليطال جوهر العمل الديمقراطي، معتبرةً أن تهميش مشاريع مقدّمة من أكثرية نيابية، وإعادة إحالة مشاريع معجّلة إلى اللجان خلافًا للمهل، يبرّر اللجوء إلى المقاطعة كوسيلة “تصحيح” لا تعطيل.

غير أنّ الإشكالية لا تكمن فقط في تفسير النظام الداخلي، بل في تحوّله بحدّ ذاته إلى ساحة نزاع سياسي، حيث تُقرأ النصوص وفق موقع كل فريق في اللحظة الراهنة، ما يفرغ القواعد البرلمانية من بعدها التنظيمي، ويحوّلها إلى أدوات مواجهة بدل أن تكون ضوابط جامعة.

وفي موازاة هذا الاشتباك، تبرز معضلة الحكومة، إذ لا يقتصر أثر التعطيل على البرلمان فحسب، بل يطال مباشرة عمل السلطة التنفيذية، ولا سيما في ملفات الإصلاح والتمويل الخارجي. في هذا الإطار، يطفو إلى الواجهة قرض البنك الدولي بقيمة 250 مليون دولار، كعنوان إشكالي لا من حيث الرقم فقط، بل من حيث التوقيت والوجهة. فكيف يمكن الحديث عن إعادة إعمار في ظل حرب لم تُقفل فصولها بعد؟ وأي ضمانات لآليات الصرف وتحديد الأولويات في دولة لم تستعد بعد ثقة مواطنيها ولا الجهات المانحة؟ من دون رؤية وطنية واضحة وإطار صارم للمحاسبة، يتحوّل القرض من فرصة إنقاذ محتملة إلى عبء مؤجّل قد يُستنزف قبل اتّضاح معالم ما بعد الحرب.

من هنا، يتجاوز النقاش مسألة النصاب والأرقام، ليطرح سؤالًا سياسيًا أوسع: هل يُسمح بتعطيل التشريع لتحقيق مكاسب ظرفية، أم أن حماية المؤسسات تفرض الفصل بين الخلافات الكبرى واستمرارية العمل الدستوري؟

في المحصلة، ما يجري ليس صراعًا على جلسة واحدة، بل فصل جديد من أزمة نظام لم يحسم بعد علاقته بالدستور ولا حدود السياسة داخل المؤسسات. وبين من يرى في التعطيل وسيلة تصويب، ومن يعتبره مسؤولية وطنية مرفوضة، يبقى الخاسر الأكبر انتظام الدولة وثقة اللبنانيين بأي مسار إصلاحي قابل للحياة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock