راديو الرقيب
اقلامخاص سلايدر

مهرجانات المدينة… المدينة والمهرجان!

بقلم الدكتورة وفاء شعراني

مبروك مهرجان المدينة، أُقيمَ في جامعة المدينة، كانت خطوة جريئة ، يجب أن تتطور الفكرة وأن يكون لهذه المدينة مهرجانها السنوي، يحتاج الأمر بعض الكلام، حين لا يعود للطبقة الوسطى اية سطوة بينما تعاني من تدهورٍ اقتصادي اجتماعي حادّ، وحين تفقد ديناميتها الا قليلا، يتعرض الوزن الحضاري والنفوذ السياسي للمدينة الى هزة، فتعمها الفوضى، وتتقوقع، كان واضحاً أنه في سلسلة المهرجانات اللبنانية لهذا العام انصبّتْ فعاليات حملة ” أهلا بهالطلّة ” على  الريف اللبناني بقراه وبلداته، يستحق الريف، ولكن أين غابتْ المدن؟ وأين غابت طرابلس بالذات.

لو كنت صفحة في كتاب خالد زيادة ” رحلة الدارس في أخبار طرابلس “لكتبتُ عنكِ ، هنا ، أبلغَ مما كُتب ، وأضفتُ المحبة، المدينة العريقة، فقدتْ طبقتَها الوسطى، وتركها أثرياؤها، هل ملَّ مثقفوها من تكرار تجارب مضنية حول معنى المهرجان في المدينة؟ هؤلاء الذين كانوا يدركون أن المدينة ليست عمارات شاهقة بل وجهٌ عمراني، وأنها ليست أحياء حجارة الدومينو، تتضخّم وتتضخّم، بل هي جدرانٌ عتيقة يتراكم عليها التاريخ.

مهرجانات المدن بين الاحتفالي والثقافي والروحاني وتثمين ما تزخر به المدينة من مقومات حضارية وتراث مادي ولا مادي أصبحت تمثل جانبا أساسيَّاً من هوية المكان، ترعاها الحكومات ويوصي القيّمون من وزراء ومشرفين ومدراء أن تجسّدَ برامج احتفالاتهاوفقراتها ثراء الموقع من حيث كافة مكامنها، لم تأت وزارة السياحة بمقاربةٍ مماثلة، لم تتوغّل في ثنايا قضية هامة، السياحة في المدن، لقد غابتْ المدينة عن استراتيجية وزارة السياحة، طرابلس الفيحاء، الذين يعرفونها يحبونها، يعشقونها، من ضاحيتيها القلمون والبداوي ومن الكورة، تبعث سحر الشرق الأوسط ونعمةَ العلم والمعرفة، عندما تعرف رسمَ الطريق إلى مدخل مساجدها ومددارسها وكنائسها، وتعرف أين تجد محلَّ  بيع حلاوة الشميسة، تحت القلعة، وفي أي سوقٍ يُعرض صدر المغربية بالزيت، وكم سعر فنجان القهوة ، ومن أين تبتاع قطع الصابون وزجاجات ماء الزهر، فإنك لا تحتاج إلى الدليل السياحي  – وإن كان الأجنبي ينتبه إلى اشياء لم ننتبه إليها – ، بل تستعرضُ أحاسيسك وطفولتك ومراهقتك وشبابك، وفي الحق ان خير ما تتعامل به مهرجانات المدينة هو الذي ينبع من هذه الدروب الضيقة، فهاهنا حيوية، نجيب محفوظ سجَّل بعنايةٍ قصوى مشاهد تلك الدروب وتفاصيل حياة ناسها في ثلاثيته ورواياته.

فماذا بعد ذلك؟

لأنّي أعلمُ أنها، طرابلس، تمتلك مقوماتٍ أن تنظّمَ مهرجان مدينة يستهدف إحياء وصيانة التراث، سيجيب الطرابلسيون على هذا السؤال بطرق مختلفة، وإذا كنتُ أرى أنه يجب أن  يظلَّ  الليلُ عالقا في الذكر أكثر من النهار، فحالما تغيب الشمس على الجانب الاخر من المتوسط قبالة المباني الشاهقة، في منطقة المعرض، همزة الوصل بين طرابلس الأثرية والميناء والقلعة، تحت قوس نيماير، نتذكر بأن  طرابلس الفيحاء قاهرة صغيرة، فكل حجرٍ فيها كماوفي الحق القاهرة مشبَعٌ بعبق الماضي، وللأسف فهي عاصمة لبنان الثانية، ولم تحظ باهتمامٍ أكاديمي أو شعبي، علّها بعد مهرجان جامعة المدينة ستجد مَن يستمع إلى هؤلاء الذين يعشقونها فيرسمون لها خرائط مهرجان بأعمالٍ بديعة، كتابة وتصويرا، تتحدثُ عن تاريخها وآثارها وعمارتها، فتضاهي بذلك العواصم الثقافية ومهرجانات المدن العريقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock