حرب الكوليرا على غزة: النجاة ممنوعة!

لبنى عويضة – خاص الرقيب
ثكنة للأوبئة والأمراض… هذا ما تحوّل إليه قطاع غزة على يد الاحتلال الصهيوني بعد منعه دخول المساعدات الانسانية، إضافة لخروج 7 مستشفيات عن الخدمة، وتدهور وضع ما تبقى منها، وفي ظل نفاذ المعدات الطبية والأدوية، فوثيقة إعدام غزة باتت جاهزة.
أما الكوليرا فأخذت تنهك وتلتهم ما تبقى من أجساد، وهي عدوى حادة ولها عواقب وخيمة، تنجم عن تناول الأطعمة أو شرب المياه الملوثة، وهذا الوباء يشكل تهديداً عالمياً للصحة العامة، وهو مؤشر على انعدام المساواة وانعدام التنمية الاجتماعية، وتزداد المخاوف العالمية منه اليوم في ظل ارتفاع نسبة التلوث.
أما مع دخول معركة طوفان الأقصى يومها الخامس عشر، فمختلف مشاهد اللاإنسانية بدت واضحة، إذ يعجز الكلام عن التعبير عن أفعال العدو الصهيوني الوحشية، ومحاولته الدفاع عن نفسه وتبرئته أمام المجتمع الدولي خوفاً من الإنقلاب عليه ومنع الإمدادات العسكرية والطبية عنه، خاصة بعد قصف مستشفى المعمداني منذ أيام، هذا القصف الذي لم يولّد جريح، لا بل استشهد الأطباء والممرضين والجرحى، وأدى هذا الاستهداف لتأجيج الرأي العام على العدو.
ولعل ما يحدث في غزة هو حرب فريدة من نوعها، فلم يشهد تاريخ البشر على إجرامٍ أفظع من إجرام العدو الإسرائيلي، فلا رادع لديهم، ودول العالم الغربي تقف إلى جانبه وتدعمه، ولا احترام أو إلتزام بقانون الحرب، ذاك الذي يمنع ويحذّر من استهداف المدنيين العزّل في حالة الحرب أو استهداف المؤسسات الصحية، أما في غزة فالوضع مختلف، فلم يبقَ حجر على حجر.
يُترك الفلسطيني اليوم لمصيره، حيث الغارة الجوية تلاحقه كظله ولا مكان آمن له، والمقابر الجماعية تحيط به، أما الجثث فلا أكفانٍ لها ولا ثلاجات للموتى، هذا في حال تم التعرف على هوية صاحبها، لا بل أنه لم يبقَ منها أعداد لتكفين الموتى، وبتنا نشاهد عائلة بأكملها توضع في كفنٍ واحد، فأعداد شهداء غزة تخطت الــ3785 شهيداً، بينهم 1524 طفلاً، و1200 مسناً، و 1000 إمرأة وفقاً لآخر إحصاء لوزارة الصحة الفلسطينية.
تكدست الجثث، انتزعت الإنسانية، وماتت الضمائر أمام هيبة الموت التي تُعزف في قطاع غزة المشلول حيث الحصار يشتد، والعدو الإسرائيلي يضيّق الخناق وهو على إصرار تام على إبادة جماعية للأهالي، فلم يروِ عطشه من الدماء التي سفكها على مر السنوات الطويلة الماضية، لا بل أن شراهته تزداد وتتفوق على “دراكولا”.
ولعل المجزرة البيئية في غزة تضاف إلى المجازر بحق أهلها، ومع الوقت قد يتجاوز عدد ضحايا التلوث البيئي عدد ضحايا الحرب، فمن ابرز اسبابها:
– لا مياه في غزة: ان فقدان الماء يعني أيضا فقدان الحياة. فالجراثيم في المياه المتبقية يعني انتشار للأمراض والأوبئة مثل التيفوئيد وحمى الكوليرا والدوسنتاريا (الإسهال الشديد والمخاط والدم في البراز) والتهاب الكبد والسالمونيلا والعديد من الأمراض الأخرى، حتى المياه الجوفية ملوثة حتماً بسبب تدمير إمدادات الصرف الصحي المتاحة سابقا.
– الهواء ملوث بسم الفوسفور الأبيض والغازات المنبعثة والصواريخ: مما يعرض الإنسان والحيوانات وحتى النباتات للاختناق، بالإضافة إلى التهابات العين المختلفة والأمراض الجلدية عبر تشكّل السحب السامة التي تسمم الغلاف الجوي والجهاز التنفسي. حتى ان المطر سيعيد تلوث الهواء إلى التربة عندما يهطل فيما بعد.
– فقدان رئة الطبيعة بمسح وحرق الغطاء والمساحات الخضراء والأشجار الموجودة.
– تلوث الهواء بثاني أكسيد الكربون الناتج عن الحرائق. ونقل السموم المسببة للسرطان إلى الجهاز التنفسي. مما يساهم أيضا في ظاهرة تغير المناخ.
– تلوث الغلاف الجوي بسبب تفكك وتحلل الأجسام وأجزاء الجسم. تلوث الشواطئ والأسماك بالغازات الناتجة عن القصف المدفعي والصاروخي وتلوث التربة وما تسببه السيول في البحر والأسماك.
– تراكم النفايات الصلبة التي يستحيل معالجتها والتي تنشر الأمراض والأوبئة، والتي ستصبح مسرطنة للغاية (أكثر من 2000 مرة) عند حرقها.
وهذا غيث من فيض في عصر التنمية المستدامة، حيث تجتمع عدة عناصر مع البيئة، وهي الاقتصاد والعدالة الاجتماعية والحكم الرشيد، نجد أن العديد من الممارسات اللاإنسانية تمارس ضد سكان غزة، حتى قبل “طوفان الأقصى” من الاحتلال، إلى الحصار، إلى منع التواجد في الوطن، إلى الإذلال والعنصرية وجدار الفصل العنصري، إلى الإفقار والتجويع والإقصاء من المنزل…
تلك الإبادة الجماعية والتهجير القسري وإن لم يكن عبر القصف والقتل، فحتماً يتم عبر انتشار الأوبئة، وما يحصل مقصود، أي ليس وليد صدفة الحرب، والكوليرا تشتد وتنتشر مع ارتفاع أعداد الشهداء الذين لا قبور لهم، وكذلك مع انتشار التلوث والمياه القذرة، ناهيك عن الحصار اللاإنساني والذي يمنع الإمدادات الإنسانية والطبية، مما يجعل الموت محتّم، فإما الكوليرا أو القصف، ولا خيار آخر.
معركة طوفان الأقصى أسدلت الستار عن وحشية المجتمع الغربي وكذبة حقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية، فالمصالح الشخصية والتي تبرم بين الدول هي الأقوى والأشد، وإسرائيل الطفل المدلل لأميركا والدول الاوروبية، يحق لها التصرف كيفما أحبت وأرادت، فلا قانون يردعها، ولا حواجز تقف عندها، وفي النهاية أعان الله غزة على تخاذل العرب وتكاتف الغرب عليها.



