بين نكبتنا عام ١٩٤٨ ونكبتهم عام ٢٠٢٣!

كتب المحرر السياسي
هناك تاريخان، سيحفران عميقاً وطويلاً في ذاكرة وتاريخ الحركة الصهيونية ودولة الاحتلال التي اتخذت لنفسها تسمية اسرائيل.
التاريخ الاول هو ليل الرابع عشر من أيار عام ١٩٤٨، حين اختلس الآباء المؤسسون للكيان الصهيوني والدولة الإسرائيلية لحظة انسحاب جيش الانتداب البريطاني واعلنوا دولة إسرائيل.
والتاريخ الثاني هو فجر السابع من أيار، الساعة الخامسة والنصف تحديدا حين انتهت الكذبة وانهارت على يد الف ومئتين مقاتل من حركة المقاومة الإسلامية حماس يعتبرون نخبة النخبة، تمكنوا من تنفيذ عملية نوعية لم يصدق العالم أجمع حجم أبعادها الاستراتيجية والسياسية الا تدريجيا ويوماً بعد يوم.
بالرجوع إلى تاريخ الرابع عشر من أيار عام ١٩٤٨، تعترف غولدا مائير، أمّ الإسرائيلين أو أمّ الصهاينة كما يسمّونها، بأنه في ذلك اليوم كانوا مرعوبين وكانوا خائفين وكانوا شغوفين بإعلان هذه الدولة أيضاً، لكن وحين أعدوا الاحتفال وأعلن بن غوريون قيام دولة إسرائيل كان من المفترض أن يصدح النشيد الوطني، لكن عطلاً طرأ على آلة التسجيل ووجدوا انفسهم في صمتٍ مريب فما كان منهم إلا أن أخذوا يرددون النشيد بأصواتهم.
هذا العطل التقني يجب أن يتذكروه جيداً لانه هو نفسه العطل الذي اصاب في ٧ تشرين الأول ٢٠٢٣ الآلة الاستخباراتية والأمنية الصهيونية ما سهّل للمقاومين الابطال الذين دخلوا إلى ٥٥ موقعا عسكريا في ٢٢ مستوطنة أن ينفذوا المهمة التي رسمت لهم بأفضل ما يمكن من النتائج موقعين خسائر كبرى على مستوى جيش الاحتلال، وعلى مستوى آلياته ومواقعه وأيضاً محققين أحد أهداف تلك العملية وهو التمكن من أخذ عدد كبير من الأسرى العسكريين الذين تبين أن بينهم بعض المدنيين وبعض مزدوجي الجنسية الذين يُعتبرون من الأجانب، وهؤلاء هم من أعلنت كتائب عز الدين القسام وسرايا القدس أيضاً بأنهم ضيوف وليسوا أسرى، وبأن هناك قرارا بإطلاق سراحهم لحظة تسمح الظروف الميدانية في غزة بذلك.
اليوم ومع دخول المواجهة الكبرى في أسبوعها الثالث، يتبين للمراقبين المحايدين وبعقلٍ بارد وبدون عواطف ما يلي:
• أولاً، أن غزة والمقاومة الإسلامية في غزة اي حركة حماس هي من تدير المعركة وهي التي لا تزال تُمسك بزمام المبادرة رغم كل ما تتعرض له غزة من شمالها إلى جنوبها ومن شرقها إلى غربها، من تدمير ممنهج يطال المستشفيات والمساجد والكنائس ومراكز الإيواء، إضافة إلى الأبراج والبيوت السكنية.
• ثانياً، يُدرك الجميع بمن فيهم الولايات المتحدة الأمريكية والغرب الداعم لإسرائيل وأيضاً الكيان الصهيوني ومحور المقاومة بأن المذابح والمجازر والإبادة الجماعية هي سىلاحٌ ذو حدّين وهي شيئاً فشيئاً ستقلب السحر على الساحر.
والكل يرى اليوم بأن ثمة تغيّرات كبرى في مزاج الرأي العام العالمي وحتى ضمن الدول الغربية وضمن الولايات المتحدة الأمريكية تحديداً إضافةً الى أعداد اليهود في كل العالم وفي اسرائيل، الذين بدأوا يشعرون بالعار الأخلاقي وبأنهم يرتكبون هولوكوست جديد مماثل الهولوكوست المرتكب ضدّهم في أيام النازيين وبالتالي يتحولون الى نازيين جدد.
• ثالثاً، نجحت المقاومة في فرض خطوط حمر بالدرجة الأولى على المستوى الفلسطيني بحيث لم نعد نسمع قيادات فلسطينية متصلة بالسلطة في رام الله تُصدر تصاريح أو بيانات إدانة لحركات المقاومة، كما ان هذه الخطوط الحمر امتدت على المستوى العربي الذي تعامل مع هذه العملية بشيء من الخجل واحياناً بشيء من التوازن بين القاتل والمقتول، بين العدو وبين المقاوم، بين الاسرائيلي وبين الحمساوي، هذا الخطاب انتهى والخطاب العربي اليوم شبه موحّد ولا يفوتنا هنا أنّ تحرّك الجماهير العربية والحشود الكبرى الغاضبة التي نزلت الى الشوارع له تأثير فاعل على القادة العرب وعلى السياسات الرسمية العربية.
معنى كل ذلك هو أن المقاومة أعادت إحياء شكل من أشكال التضامن العربي الواسع مع القضية الفلسطينية.
• رابعاً، لماذا يتأخر بينيامين نتنياهو وحكومة الحرب التي شكلها في بدء العملية البرية ضدّ غزة؟ الكل يعرف على المستوى العسكري والإستراتيجي بأن القصف عبر الطيران لا يمكن أن يُعيد لإسرائيل هيبتها ولا يمكن ان يحسم المعركة لصالح اسرائيل، وبالتالي الكل يُراهن على عملية برية نوعية تنفّذ فيها اسرائيل عمليات شبه سحرية تجعلها تستعيد مظهر السوبرمان الشرق أوسطي.
حتى أميركا تراهن على ذلك لكنها وأمام الوقائع اليومية تخشى من ان ينقلب هذا المشهد المتخيل الى ضده. وهذا ما يخشاه أيضاً نتنياهو وحكومة الحرب التي يديرها وهم يجتمعون بشكل متواصل وكل اجتماع قد يمتد الى الست أو سبع ساعات، حتى أن نتنياهو طلب من الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون تأجيل زيارته لان لا وقت لديه لاستقباله، انهم يتشاجرون ويتناقشون ويُصابون بالخيبة ويتبادلون ايضاً الشتائم، فهم فعلياً لم يتمكنوا حتى اللحظة من تحديد ساعة الصفر.
لقد اتخذوا القرار بعملية برية لكنهم لا يمتلكون الجرأة على البدء بها.
ما حدث بالأمس في خان يونس هو أكبر دليل وهو بروڤا صغيرة اراد منها جيش الاحتلال ان يستجمع بعض المعلومات وان يجسّ النبض، فخرج بنتيجة وهي تدمير دبابة وجرافتين مدرعتين، من الضروري ان نشير الى اننا حين نقول جرّافتين مدرعتين، فإن هاتين الجرافتين لا تشبهان الجرافات التي نستعملها في اعمال مدنية، فهما جرافتان عسكريتان مخصّصتان لتمهيد الطريق أمام الدبابات.
ما حدث في خان يونس – كيسوفيم أعطى رسالة واضحة للعدو، بأن مع كل دخول سيكون هناك تدمير، وفي خان يونس نجح الجنود الذين في الدبابة في الهرب على الأقدام وهذا غير مضمون في المرات المقبلة، فقد لا يرجع الجنود الى بيوتهم والى قواعدهم والى اسرائيل.
• خامساً، مما لا شك فيه بان الوضع القائم حالياً يشكل ضغطاً كبيراً على المقاومة التي تشهد كل يوم تدميرا واستشهادا ضمن حاضنتها الشعبية فضلاً عن ان ما يحصل هو شكل من اشكال الاستنزاف الذي يؤدي الى خسارة المزيد من الصواريخ والمزيد من الترسانة العسكرية لدى المقاومة. لذلك فإن المقاومة تنتظر على أحر من الجمر بدء العملية البرية التي ستحسم هذه المواجهة والتي ستدور فيها معارك على مسافة صفر، ومما لا شك فيه أيضاً بأن المقاومة قد اعدّت لجيش الاحتلال ما لا يخطر على باله لدرجة دفعت الناطق باسم كتائب القسام ابو عبيده الى القول لهم: “أهلاً وسهلاً بكم في رحاب الجحيم”.
• سادساً، قرار الغزو البري ليس بيد اسرائيل حصراً، لا بل يمكن القول أن هذا القرار هو بيد أمريكا وفعلياً إن أمريكا هي من تدير معركة غزة منذ البداية.
هذا القرار لا يتعلق فقط بدراسة امكانيات وظروف النجاح او الفشل في غزة فقط، لكنه يأخذ في الاعتبار ما قد يحدث على جبهة الشمال اي على جبهة الجنوب اللبناني بعد ان كثرت التحليلات القريبة من محور المقاومة والمعادية لمحور المقاومة والقريبة من اسرائيل والمعادية لإسرائيل وكلها اي هذه التحليلات بدأت تربط بين النتائج الاولية للدخول البري وبين قرار المواجهة الكبرى وظهور الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله على شاشة التلفاز لكي يُعلن الحرب.
معنى ذلك ان المقاومة اللبنانية استطاعت ايضاً اضافةً الى استنزافها لجيش الاحتلال، والى إشغاله في جبهة الجنوب اللبناني، استطاعت ايضاً ان تشارك في اتخاذ القرار في عملية الغزو البري فيما يمكن ان نسمّيه لعبة توازن الرعب، ما دفع نتنياهو الى القول لجنوده حين زارهم في الشمال اي على حدود لبنان وبنبرة حزينة قال لهم: “انتم اليوم مصدومون وخائفون لكن عليكم أن تتمتعوا بالقوة وعليكم ان تعلموا ان حزب الله اذا اراد ان يقتلنا او ان يحاربنا فاننا سندمره وسندمر لبنان”.
نحن العرب نعرف أن هذا الكلام هو كلام المهزومين وهذه التصاريح هي تصاريح من لا حول ولا قوه لهم.
• سابعاً، من الملفت ان “توماس فريدمان” الكاتب والصحفي الامريكي الشهير والقريب من دوائر الحكم في البيت الابيض ومن دوائر الاستخبارات الامريكية رفيعة المستوى، من الملفت ان يكون مقال فريدمان الاخير وهو المقال الثالث له منذ بدء هذه الحرب هو نداء توسّل ومناشدة لـ “جو بايدن” بأن يمنع اسرائيل ويردعها من دخول غزة لان النتائج كما يراها فريدمان وكما نشرها في “الواشنطن بوست” ستكون كارثية، ليس على اسرائيل فقط انما على أميركا ايضاً التي يخشى ان تتورط في حرب الشرق الاوسط وهي ليست في وارد هذا التورط، وبالتالي فإن تورطها في حرب الشرق الاوسط سوف يلهيها عن معاركها الاهم ان كان في اوكرانيا وان كان على مستوى احتواء الصين وإن كان على مستوى تشكيل جبهة تطبيع عربية قوامها الأساسي مصر والمملكة العربية السعودية، وقد اعتبر فريدمان أن كل ذلك سيزول في حال اتخذ القرار وتمكن مقاتلو حماس من الحاق الخسائر الكبرى بالجنود والدبابات وبالجيش الاسرائيلي.
• ثامناً، بقي ان نقول انه بات من الواضح ان التدخل الامريكي المبكر فيما حصل والعلني، لم يكن فقط موجهاً ضد الفلسطينيين وانما كان يهدف بدرجة اولى الى الدخول في قلب القرار الاسرائيلي ومحاولة احتواء هذا القرار وهو ما يحصل اليوم، ومجيء “جو بايدن” وثم اتخاذ القرارات بإرسال حاملات طائرات الى الشرق الاوسط ليس سوى عمل ديبلوماسي لا يشكل اي تهديد حربي لاحد، وحاملات الطائرات هذه أتت لكي تحتوي الهمجية الاسرائيلية والجنون الاسرائيلي وليس لكي تُحارب حزب الله او سوريا او اي جبهة اخرى.
هذه مقاربة منتشرة لدى كثير من المحللين الاستراتيجيين وهي تدل على ان امريكا في النهاية تحكمها مصالحها ومن السذاجة ان نعتقد بان ثرثرات “جو بايدن” وتصريحاته هي التي تمثل القرار الامريكي.
في الاسبوع الثالث، من الواضح ان المواجهة مستمرة، وهي اكبر من مواجهة، هي فعلياً حرب تشكل مفترقا في التاريخين الفلسطيني والاسرائيلي. قد نشهد مزيدا من التدمير ومزيدا من قتل الابرياء ولكن هذا يعني مباشرة ازدياد الغضب الشعبي في العالم العربي والاسلامي وازدياد الرفض للممارسات الاسرائيلية لدى الرأي العام العالمي اضافة الى تكديس مجموعة هائلة من المخالفات القانونية على كل المستويات لهذه الدولة الهجينة التي تسمى اسرائيل.
وقد نشهد ايضا مواجهات على المستوى البري، اي محاولات لدخول غزة لكي تحقق اسرائيل هدفها المعلن وهو القضاء الكامل على حماس سياسياً وعسكرياً وايجاد وضع سياسي مختلف في كامل قطاع غزة.
دون شك ان اهداف اسرائيل خالمة جدا، فهي لا تستطيع ان تصل الى كل هذه الاهداف، ولكن بدء المواجهات البرية هو الذي يحدَد مسارات هذه الحرب. لا شك ان الفلسطينيين وحركة المقاومة تحديدا قد حققوا انتصارات وهذه الانتصارات لم يعد ممكناً نزعها منهم والمقبل من الايام سيحدد لنا اكثر ان كانوا سيراكموا انتصارات جديدة ام وهذا اقل الممكن سيظلون محتفظين بالانتصارات التي حققوها وهي انتصارات سياسية واستراتيجية نوعية لا يستهان بها.



