راديو الرقيب
اقلامخاص الرقيبخاص سلايدر

في الذكرى التاسعة لرحيل دولة الرئيس عمر كرامي: ها هي الأجيال التي لا طالما آمنتَ بأنها ستحمل الشعلة تعطي لكوكب الأرض صورة مجيدة عن الإيمان بالحق وبالقضية

بقلم طلال شتوي

مفرد لا يتكرر، وكتلة متماسكة من العقل والعاطفة والفطرة السليمة، والإيمان الراسخ، والرأي الراجح. ذلك هو عمر كرامي الذي نتذكره اليوم. مفرد لا يتكرر بتلك الشجاعة المحتشمة التي لا يمتلكها سوى فرسان الحكايات، ذلك هو عمر كرامي الذي يتذكرنا اليوم.

لقد أبى عمر كرامي أن يكون أكبر من لبنان الذي يحلم به وطنا حقيقيا لكل اللبنانيين، لكن من عرفه كان يلاحظ دائما أن هذا الرجل أكبر من السياسة اللبنانية وصغائرها وألاعيبها، لكنه قطعا لم يكن أكبر من الوطن، الحلم الذي لم يتحقق قط للأسف. صحيح أن عمر كرامي ترأس حكومتين في تاريخ لبنان الحديث، حكومة ما بعد الحرب الأهلية البغيضة، التي كان عليها أن ترمم الدولة ومفهوم الدولة، وأن تنزع سلاح الميليشيات، وأن تعيد لم شمل الجيش اللبناني، وأن تفتح المعابر بين البيروتين، وبين كل محاور القتال على امتداد الأراضي اللبنانية، لكن الجميع يتذكر أيضا أن هذه الحكومة، كوفئت بثورة مفتعلة من صنع مخابراتي، شارك فيه الجميع، حيث تم افتعال ثورة الدواليب التي شكلت مفترقا بين زمانين وبين تاريخين، وبين نهجين.

غير أن عمر كرامي، الذي يضع دائما استقالته في جيبه، لم يمنح المخططين فرصة ذهبية لكي يصطنعوا البطولات، وسارع إلى رمي استقالته في وجه الجميع، وكان ما كان. أما الحكومة الثانية، التي لم تعش سوى عدة أشهر، فكان عليها أن تنتشل لبنان من مستنقع السياسات الخاطئة التي تم الانزلاق إليها، ومن المديونية القاتلة التي تهدد بانهيار لبنان، أي بما نحن عليه اليوم عام 2024، هذه الحكومة كوفئت أيضا بتدبير أمر استقالتها طوعا، وهكذا ترك عمر كرامي السلطة دون أي تردد، وهو القائل دائما بأن الكراسي والمناصب لا تساوي لديه جناح بعوضة.

إنه الوجه اللبناني للرئيس عمر كرامي، لكن الرجل لم ينفصل يوما عن وجهه العربي، وشاءت الأقدار أن يعيش زمنا عربيا رديئا، ولعله لم يستطع أبدا تجاوز حزنه على عجز العرب والعروبة، منحازا إلى إخفاء خيباته، مؤمنا بأن أجيالا آتية ستحمل الشعلة وتصوب المسار. كثيرا ما تحدث عمر كرامي عن الثوابت، وفي مقدمة هذه الثوابت القضية الفلسطينية، فهو لم يتراجع يوما عن اعتبار القضية الفلسطينية هي قضية العرب المركزية الأولى، ولم يتردد لحظة في تأكيد إيمانه بأن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة، وبأن المقاومة هي الطريق الوحيد الذي لم يترك لنا الكيان الصهيوني خيارات أو بدائل عنه، ولم يخف عمر كرامي لحظة من إعلان مواقفه دون أن يحسب حسابا لأي مصالح سياسية أو انتخابية ضيقة، ودون أن تخيفه أيضا الاتهامات الظالمة الجاهزة التي كان يتلقاها بكثير من السخرية والألم الخفي.

حسبنا اليوم أن نقول لعمر كرامي، يا دولة الرئيس، ها هو حلمك يتحقق في فلسطين المحتلة، ها هي المقاومة التي آمنت بها تنجز الانتصارات الإستراتيجية الكبرى، وتضعنا جميعا على طريق القدس وإلى الأقصى الشريف.

يا دولة الرئيس، ها هي الأجيال التي لا طالما آمنتَ بأنها ستحمل الشعلة، تعطي لكوكب الأرض صورة مجيدة عن الإيمان بالحق وبالقضية، وتقول للعالم أجمع بأننا جاهزون لكي ندفع دما، ثمن كل حبة تراب من أرضنا.

يا دولة الرئيس، يتذكرك لبنان في أيامه الموحشة هذه، ويتذكر مواقفك العاقلة والمستشرفة لكل ما وقعنا فيه من مشاكل، ومن انهيارات. يا دولة الرئيس، يتذكرك الفلسطينيون، ويدركون أن روحك الآن معهم في الاحتفال بانتصار الظالم على المظلوم.

رحم الله عمر كرامي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock