ما وراء كواليس تسابق الدول لإجلاء رعاياها من لبنان

بقلم لبنى عويضة… خاص جريدة الرقيب الإلكترونية:
مع تسارع القرع على طبول الحرب وارتفاع وتيرة الخطر من اتساع الحرب على الشرق الأوسط، اندفعت الدول لإعلان حالة قصوى من الاستنفار، تحديداً في لبنان. إذ حذَّر عدد هائل من السفارات رعاياهم لمغادرة لبنان على الفور وعلى عجل قبل قطع أوصال الرحلات الجوية، مع إمكانية تدهور الوضع الأمني على كافة الأراضي اللبنانية، أي دون الالتزام بقواعد الحرب التي يشنها العدو جنوباً.
لقد كان تعويل التجار هذا العام على القطاع السياحي لما يحمله من فرَج، سيما مع استقرار الدولار وعودة المغتربين بإجازاتهم الصيفية إلى لبنان بعد سنوات من الغربة تعزى إلى الزعزعة الاقتصادية والأمنية، ناهيك عن انتهاء موسم الحجر الصحي. لكن تحذيرات الدول للرعايا لم تتوقف منذ فترة، إذ يذكر أنه منذ قرابة الشهرين أوردت صحيفة “التلغراف” البريطانية تقريراً حول تخزين الأسلحة في مطار بيروت الدولي وحذرت من السفر إلى لبنان، مما أنذر بضرب وشل الموسم السياحي. إلا أن الروّاد لم يهتموا وبدأت الأعداد تتدفق من كل حدب وصوب حتى يوم الثلاثاء الماضي وتحديداً تاريخ اغتيال إسرائيل للقيادي في حزب الله “فؤاد شكر” داخل الضاحية الجنوبية لبيروت، واغتيال رئيس حركة حماس “إسماعيل هنية” في طهران، وهذا ما أشعل فتيل الزعزعة الأمنية وبدأت عقارب الساعة تقرع بانتظار الثانية “صفر” قبل اندلاع حرب شاملة.
تجدر الإشارة إلى أن المشهد قبل هذا الاغتيال كان مغايراً، إذ انتشرت صور عبر مواقع التواصل الاجتماعي لتهافت الناس إلى مطار بيروت بأعداد كبيرة، بينما مطار تل أبيب كان مزدحماً بالمغادرين. وهذا ما زرع اليأس والإحباط لدى الإسرائيليين سواء في داخل الأراضي المحتلة أم في الخارج، وأدى أيضاً إلى زعزعة الثقة بالحكومة الإسرائيلية وجيشها.
لذا، خدمت السفارات العدو الصهيوني عبر بث الرعب في نفوس الرعايا والمغتربين فيما يتعلق بالبقاء في لبنان، وما عزز الذعر هو انتشار خبر عن وصول طائرة سعودية خاصة لنقل الرعايا السعوديين الموجودين على الأراضي اللبنانية إلى الرياض، كما تسرّبت معلومات حول استعداد أميركا لنشر سرب يتألف من 16 إلى 24 طائرة في منطقة الشرق الأوسط تحسباً لأي احتمال.
تزايد التحذيرات يعكس التغيير الجوهري في التقييم الدولي للوضع الأمني في لبنان، مما يفاقم شعور المواطن بالتوتر والقلق بالتزامن مع الشعور بالعزلة والانكشاف أمام الأخطار. أما الخوف فهو من خطوة قد تتخذها الشركات الأجنبية عبر سحب موظفيها أو تقليص خدماتها، وهذا ما سينعكس على الاقتصاد اللبناني المنهار أصلاً ويزيد الضغوط المالية على الدولة اللبنانية.
بالمقابل، فإن تحذيرات الدول الكبرى من شأنها أن تكون بمثابة ضغط سياسي على الدولة اللبنانية لاتخاذ خطوات جادة لفض الاستقرار والأمن وتطبيق القرار 1701، من وجهة نظر العدو لا كما ينص القرار بحذافيره. ومن المؤكد أن تحذيرات الدول الكبرى تحمل في طياتها رسائل دبلوماسية للحكومة اللبنانية، وهي تركز جهدها للحفاظ على مصالحها وسلامة رعاياها.
فضلاً عن ذلك، فإن مغادرة الرعايا والتحذيرات الأمنية ستنعكس أيضاً على المنظمات غير الحكومية والدعم الأجنبي، مما يعني حتماً شحّاً في المساعدات الإنسانية الأساسية، وبالتالي ستتفاقم معاناة السكان المحليين، وآثار هذا الأمر ستكون واضحة بشدة على الاقتصاد اللبناني.
لكن بالرغم من الهلع والخوف، لا يمكن إنكار محبة اللبناني لبلده، فالمطاعم والمقاهي ممتلئة، ومحبو الصيف منتشون على شواطئ البحار أو في أعالي المناطق الجبلية، إضافة إلى رواد الليل الساهين حتى بزوغ الفجر. ويمكن القول إن هذه الصورة تعكس مشهدية التناقض في حياة المواطن اللبناني.
إن التحديات الحالية تستدعي تفكيراً عميقاً وتعاوناً دولياً مكثفاً لإيجاد مسارات بديلة للحرب وتعزيز السلام والاستقرار، ولا بد من تكثيف الجهود الدولية لضمان عدم انزلاق المنطقة في حرب شاملة لا تحمد عقباها على المستوى العالمي. فقد ينفجر الوضع ونتجه لحرب عالمية ثالثة.
وعند النظر إلى حجم التحذيرات الدولية والدعوات لمغادرة بعض الرعايا الأجانب لبنان وتجنب السفر إليه، يلاحظ أن هذه التحذيرات حتى الآن تُعتبر نوعاً من الضغوط النفسية. هذه الضغوط لم تؤثر بعد بشكل كبير على حركة مطار بيروت الدولي أو على تدفق المغتربين والسياح الأجانب.
ومع ذلك، قد لا يستمر هذا الوضع طويلاً، إذ يمكن أن تأخذ هذه التحذيرات منحىً سلبيًا قريبًا. ففي هذه اللحظة الحرجة، قد يصبح من الصعب تجاهل هذه التحذيرات، ويمكن أن تُنهي واشنطن استعداداتها لإجلاء الأميركيين من إسرائيل ولبنان في وقت قريب، مما يعكس تصعيدًا محتملاً للأوضاع الأمنية في المنطقة.
لكن سؤالاً لا بد من طرحه: هل التحذيرات تنصب ضمن الحرب النفسية فقط؟ أم أن معلومات ومعطيات سرية تؤكد على تأجج الوضع والاتجاه لهجمات إرهابية محتملة ستتزامن مع اندلاع حرب في بيروت؟




