جدار الصوت… هواية العدو الجديدة فوق سماء لبنان

بقلم لبنى عويضة… خاص جريدة الرقيب الإلكترونية:
تركت قوات الاحتلال حربها وصوبت “تفاهتها” نحو هواية جديدة، ألا وهي خرق جدار الصوت. منذ الثامن من تشرين الأول 2023، تاريخ تعيين الجبهة الجنوبية لدعم غزة، بدأت إسرائيل تنفذ هذه الهواية بشكل متكرر كوسيلة للترهيب وإثارة الرعب بين الأهالي. لكن جغرافيتها كانت محصورة في الجنوب اللبناني وأحياناً البقاع، والآن أصبحت تتوسع لتصل إلى سماء العاصمة بيروت، حيث بات الأمر أقرب إلى “نزهة” يقوم بها العدو لقطف الرعب وتلذذ بهلع المدنيين قبل أن يعود إلى الاراضي المحتلة.
تكلفة خرق جدار الصوت: من يدفع الثمن؟
ما هو جدار الصوت؟
ظاهرة جدار الصوت تحدث عندما تتراكم موجات الضغط الناتجة عن جسم متحرك وتتداخل عندما تقترب سرعته من سرعة الصوت، التي تبلغ نحو 1235 كم/ساعة في الهواء عند درجة حرارة 20 مئوية. وتختلف هذه السرعة بناءً على درجة الحرارة والضغط الجوي. عند السرعات العادية، تنتشر موجات الضغط أمام الجسم وتخف تدريجياً، ولكن عند الاقتراب من سرعة الصوت، تبدأ هذه الموجات في التداخل لتشكل حاجزاً من الضغط المرتفع يُعرف باسم “جدار الصوت”. لاختراق هذا الحاجز، تحتاج الطائرات إلى قوة هائلة، مما يؤدي إلى تكون موجة صدمة على شكل مخروط يُسمى “مخروط ماخ”، تيمناً بالعالم الفيزيائي إرنست ماخ، والتي تُنتج ضجيجاً عالياً واهتزازات شديدة تعرف بالانفجار الصوتي.
كم تبلغ تكلفة خرق جدار الصوت؟
في ظل الأجواء العسكرية المتوترة، تُعتبر عمليات خرق جدار الصوت كعاصفة قوية تخلق دوياً يخيف ويذهل المواطنين العزل في منازلهم. تستعين هذه العمليات بطائرات حربية متطورة مثل F-16 وF-15 لتحقيق أهداف متنوعة، من الرسائل السياسية إلى المكاسب العسكرية. لكن هذه العمليات تحمل تكاليف باهظة تُلقى على عاتق من ينفذها. تتطلب كل عملية طائرات تتحرك بسرعات تفوق سرعة الصوت، مما يستدعي كميات هائلة من الوقود قد تصل تكلفتها إلى عشرات الآلاف من الدولارات لكل عملية، بالإضافة إلى تكاليف صيانة الطائرات، حيث يضع الطيران بسرعات فائقة ضغوطاً كبيرة على هياكل الطائرات ومحركاتها، ما يستدعي صيانة مكثفة تتطلب استثمار آلاف الدولارات.
التكلفة اللوجستية والبشرية
تُضاف إلى التكاليف المالية أعباء لوجستية وبشرية لا تقل أهمية. فالتخطيط لعمليات خرق جدار الصوت يشبه رقصة معقدة تتطلب تنسيقاً محكماً بين الطيارين والمراقبين الجويين، واستخدام أنظمة رصد ومراقبة متطورة، مما يزيد من التكلفة الإجمالية للعملية. كما أن التدريب المستمر للطيارين، الذي يحافظ على مهاراتهم في الطيران بسرعات فائقة، يتطلب موارد ووقتاً كبيرين.
من يدفع الثمن؟
في النهاية، يتحمل الاقتصاد الوطني العبء الأكبر لهذه التكاليف. فالحكومة، من خلال ميزانية الدفاع، تتحمل تكاليف الوقود والصيانة والتدريب واللوجستيات، مما يعني أن دافعي الضرائب هم من يسددون الفاتورة النهائية لهذه العمليات. هذه الفاتورة ليست مالية فقط، بل تتسرب أيضاً إلى المدنيين، محدثة أثراً نفسياً عميقاً.
الرسائل السياسية والعسكرية
على الرغم من التكلفة الباهظة، تعتبر الدول التي تستخدم هذه الاستراتيجية أن خرق جدار الصوت هو استثمار في الردع والسيطرة، حيث يشكل رسالة تحذيرية واستعراضاً للقوة العسكرية. ومع ذلك، تأتي هذه الرسائل بتكلفة تمتد إلى العلاقات الدولية والآثار الاجتماعية، مما يجعلها سيفاً ذا حدين.
حرب نفسية لا أكثر
جدار الصوت ليس له دور فعال في القتال المباشر؛ حيث يقتصر تأثيره في الغالب على تحطيم الزجاج وإحداث اهتزازات بسبب الانفجارات الصوتية، دون أن يكون له تأثير كبير على العمليات القتالية نفسها. ومع ذلك، يمكن توظيف هذه الظاهرة كأداة في الحرب النفسية، حيث تساهم المناورات التي تتضمن خرق جدار الصوت في التأثير على الحالة النفسية للسكان أو القوات المعادية.
“إسرائيل” وهشاشة جدارها
لا يمكن إنكار أن الاحتلال الإسرائيلي واجه تحديات كبيرة أمام صمود المقاومين والمجتمع المقاوم؛ ففي حين هربت معظم مستوطنات شمال وجنوب فلسطين خوفاً من صواريخ ونيران المقاومين، لا يزال أهالي غزة صامدين في أراضيهم، ويواصل أهالي القرى الحدودية في جنوب لبنان المشاركة في تشييع الشهداء على مقربة من السياج الحدودي. وبما أن الاحتلال يرى أن المدنيين في غزة وجنوب لبنان لا يخافون من صواريخه وطائراته وآلياته الحربية، ويواصلون الصمود والمواجهة، فقد لجأ إلى استخدام “جدار الصوت” كوسيلة لزرع الخوف في نفوس المدنيين، سواء في المناطق القريبة من خطوط المواجهة أو البعيدة عنها. وغالباً ما يكون الأطفال هم الفئة الأكثر تأثراً، حيث يشعرون بالخوف للحظات قبل أن يزول، حتى قبل أن تنهي الطائرة الاحتلالية مناورتها.
فإلى متى سيستمر العدو الإسرائيلي في استخدام استراتيجيات تافهة تدفع ثمنها مبالغ طائلة، في وقت يستهزئ اللبنانيون بهذه الممارسات والأفعال؟




