راديو الرقيب
خاص الرقيبخاص سلايدرمقالات

وسقطت حصانة مهندس “البنكوقراطية” اللبنانية… رياض سلامة إلى العدالة درّ!

بقلم لبنى عويضة… خاص جريدة الرقيب الالكترونية:

لم يكن حاكم مصرف لبنان الأسبق رياض سلامة رجلاً عابراً في التاريخ، بل كان أحد أعمدة النظام المالي اللبناني، والمهندس الرئيسي للسياسات التي أدت إلى استقرار الليرة على مدى العقود الثلاثة الماضية، والذي أدى في نهاية المطاف إلى انهيار مالي شامل لكل المؤسسات بعد سقوط مدوٍ لقيمة الليرة اللبنانية عقب استقالة سلامة عام 2023.
وبعد أن أصبحت المصارف اللبنانية محور حياة الاقتصاد والسياسة في لبنان، بدأ مفهوم “البنكوقراطية” يهيمن على الساحة، خاصةً مع هيمنة المصارف على القرارات الاقتصادية والسياسية، مما انعكس على المجتمع اللبناني بأكمله.
فما هي البنكوقراطية؟ وكيف أثّرت على جميع المودعين؟ وما هو دور رياض سلامة في هذه الهندسة المالية؟


البنكوقراطية اللبنانية:
بعد أن تخطت المصارف في لبنان دورها التقليدي، انصهرت في النظام السياسي والاقتصادي. ولم يعد دورها مقتصرًا على تحفيز النمو الاقتصادي من خلال تمويل المشاريع وتقديم القروض. البنكوقراطية في لبنان تشير إلى سيطرة المصارف على القرارات الاقتصادية، وأحياناً السياسية، مما جعل الاقتصاد مرتبطاً بأداء المصارف في علاقة غير صحية. فالسياسة المالية أصبحت أداة تخدم مصالح المصارف والنخب التابعة لها.


رياض سلامة: من الاستقرار إلى الانهيار
شهد لبنان خلال الثمانينات أزمات اقتصادية وسياسية عدة وصلت إلى حد الانهيار والتضخم، وازدادت تفاقمًا مع الحرب الأهلية التي اندلعت عام 1975. في تلك الفترة، كان الأمل معقوداً على رجل ينقذ لبنان من الأزمة، فوقع الاختيار على رياض سلامة الذي تولى منصب حاكم مصرف لبنان عام 1993. وسرعان ما قام بإعادة الاستقرار النقدي والاقتصادي من خلال ربط الليرة بالدولار الأميركي. هذه السياسة، التي استمرت لعقود، أدت إلى استقرار وهمي في الاقتصاد اللبناني، وكان ثمن هذا الاستقرار الاقتصادي باهظًا فيما بعد.

نجاح قصير الأمد وأزمة مؤجلة
لاقى قرار سلامة الأول ربط الليرة بالدولار إشادة واسعة، إذ ساعد على استقرارٍ طالما حلمت به الدولة في ظل التقلبات المالية الشديدة آنذاك. ومع هذه الخطوة، بدأت الاستثمارات الخارجية تتدفق إلى المصارف اللبنانية، خاصةً بعد تطبيق السرية المصرفية، مما جعل النظام المصرفي أكثر جذبًا.
لكن الاعتماد على هذه السياسة أدى إلى اعتماد الاقتصاد بشكل مفرط على تدفق الأموال الخارجية، وكان دور المصارف في جذب الودائع بالدولار محورياً، حيث كانت تقدم هذه الأموال إلى مصرف لبنان بفوائد مرتفعة مقابل إعادة استثمارها.

الهندسات المالية: ابتكارات على حساب الاقتصاد
ابتكر سلامة ما عُرف بالهندسات المالية، التي بدت ناجحة على السطح، إذ اعتمدت على استراتيجيات مالية معقدة تهدف إلى جذب الدولارات من المصارف اللبنانية مقابل تقديم فوائد مرتفعة لها. هذا النهج ساعد في تعزيز احتياطات البنك المركزي بالعملات الصعبة، ودعم سعر الصرف لسنوات عديدة.
إلا أن هذا النجاح الظاهري كان محفوفًا بالمخاطر، فقد أدى إلى زيادة الدين العام وتضخيم أرباح المصارف دون تعزيز الاقتصاد الحقيقي. الاعتماد على الفوائد المصرفية المرتفعة والمزيد من الديون لتغطية العجز المالي جعل النظام المالي هشًّا وغير مستدام.

أزمة 2019: اللحظة الحاسمة
مع تراجع تحويلات المغتربين وانخفاض الثقة بالمصارف اللبنانية، بدأت الأزمة الاقتصادية عام 2019. وفرضت المصارف قيودًا على السحب، مما أدى إلى انهيار سعر الصرف وتضخم كبير أضر بالقدرة الشرائية للمواطنين. ومنذ ذلك الوقت، يعاني لبنان من أزمة اقتصادية لم يتمكن من تجاوزها حتى اليوم.

المجتمع اللبناني والبنكوقراطية
البنكوقراطية لم تكن مجرد ظاهرة اقتصادية، بل أصبحت نمط حياة في النظام اللبناني، حيث كرّست هيمنة المصارف الفجوة بين طبقات المجتمع. فئة قليلة استفادت من النظام المصرفي، بينما عانى معظم اللبنانيين من السياسات المالية غير المستدامة. وقد فقد كثيرون مدخراتهم بسبب القيود التي فرضتها المصارف على السحوبات.
اعتماد الاقتصاد اللبناني على تحويلات المغتربين والاستثمارات الأجنبية أدى إلى خلق اقتصاد غير منتج. تم توجيه الجزء الأكبر من الأموال إلى القطاع المصرفي والمالي بدلاً من استثمارها في قطاعات مثل الصناعة والزراعة، مما جعل الاقتصاد اللبناني عرضة للصدمات الخارجية وغير قادر على النهوض بنفسه.

إرث رياض سلامة
رغم أن رياض سلامة يُنسب له الفضل في الحفاظ على استقرار سعر الصرف لفترة طويلة، إلا أنه يعتبر المسؤول الأول عن الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها لبنان اليوم. فالسياسات المالية التي اعتمدها دعمت النظام “البنكوقراطي” الذي كان بمثابة قصر من رمال، مبني على استراتيجيات قصيرة الأمد تهدف إلى تحقيق أرباح سريعة على حساب الاستدامة الاقتصادية.

البنكوقراطية: وجه آخر للأزمة
إن العلاقة بين سلامة والنظام البنكوقراطي اللبناني تجسّد التداخل العميق بين المال والسياسة في بلد نخرته الأزمات. فقد تحولت المصارف، التي كانت في وقت ما رمزًا للاستقرار، إلى جزء أساسي من الأزمة، وساهمت في تفاقم الفجوة الاجتماعية والاقتصادية.
اليوم، يواجه لبنان تحديات جمّة لبناء نظام مالي وسياسي جديد يعتمد على الشفافية والمساءلة، بعيدًا عن سيطرة المصارف وتداخل مصالحها مع السياسة. يتطلب الخروج من هذا المأزق إصلاحات جوهرية في النظام المصرفي والحكومي، وتركيزًا أكبر على تطوير اقتصاد منتج ومستدام يعتمد على القطاعات الحيوية، وليس على تدفق الأموال الخارجية.

محاسبة رياض سلامة: سقوط الحصانة
لم تمنح البنكوقراطية الحصانة الدائمة لسلامة، بل أسقطته في النهاية في وحل أعماله المشبوهة. واليوم، يواجه اتهامات بسرقة أموال وأحلام الشعب اللبناني، وهو المتهم الأول في ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية. على أمل أن يُحاسب أمام القضاء، ليكون عبرة لكل فاسد خان أمانة الشعب اللبناني وتاجر بمستقبلهم ومدخراتهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock