عندما يتحوّل الوهم إلى مشروع سياسي… تعرفوا على ابو عمر!

خاص الرقيب
قراءة في واحدة من أخطر حالات النصب السياسي في لبنان…
ليست كل قضايا النصب مجرّد حكايات عن مالٍ ضائع أو ضحايا سُذّج، فبعضها يكشف ما هو أخطر بكثير: هشاشة التفكير السياسي، وانعدام المناعة الوطنية، واستعداد بعض السياسيين لتصديق أي وهم إذا كان مغلّفًا بالسلطة والنفوذ.
في هذا السياق، تتداول أوساط سياسية وإعلامية لبنانية رواية خطيرة عن رجل “سعودي” يُدعى “أبو عمر” وهو في الحقيقة من وادي خالد من عكار نتحفّظ عن ذكر اسمه الآن لانه موقوف قيد التحقيق، ادّعى على أنه صاحب موقع رفيع في الديوان الملكي السعودي، بالشراكة مع قاضي شرع لبناني سابق من عكار نتحفّظ ايضاً عن ذكر اسمه الان، يدّعي ايضا انه على علاقات وثيقة مع دول الخليج وليس فقط مع المملكة.
ووفق ما يُحكى، لم تكن العملية عفوية أو فردية، بل مخططا متكاملا لاستدراج سياسيين لبنانيين عبر هاتف القاضي شخصياً او من خلال هواتفهم الشخصية من رقم “بريطاني”، وإيهامهم بأنهم على تماس مباشر مع مركز القرار في المملكة.
تبدأ القصة – كما تُروى – بجولات قام بها القاضي المذكور على عدد من السياسيين، عارضا عليهم “فرصة ذهبية”: تواصل مباشر مع شخصية نافذة في الديوان الملكي السعودي، قادرة على فتح الأبواب المغلقة، وصناعة مستقبل سياسي جديد. سرعان ما كانت الاتصالات الهاتفية تبدأ، بصوت رجل يُدعى “أبو عمر”، يُجيد لغة النفوذ، ويتقن مفردات السلطة، ويوزّع الوعود بسخاء: مقاعد وتحالفات نيابية، وزارات، مواقع أساسية، بل وحتى رئاسة الحكومة.
ومع الوعود، بدأ الثمن.
أموال طائلة قيل إنها دُفعت:
منهم من خسر ما يقارب 500 ألف دولار، وآخرون 600 ألف دولار، وآخرون قدّموا سيارات فارهة، بينها سيارة قُدّمت لابن القاضي المذكور، وفق ما يتداوله أكثر من مصدر. وغيرها وغيرها… وكل ذلك تحت عنوان واحد: “الغطاء السعودي جاهز من باب الديوان الملكي عبر ابو عمر”.
لكن الأخطر من المال، ليس المال.
الأخطر أن بعض السياسيين كما يُروى – ومنهم رئيس حكومة سابق – بنى حساباته السياسية، ومشاريعه المستقبلية، وخياراته في التعامل مع الداخل اللبناني، على هذا الوهم. تصرّف، كما يُقال، على أساس أن “الكلمة الفصل” أصبحت بيده لأنه “الممسك بالخط السعودي”، وأنه الممر الإجباري لأي تسوية أو عودة أو نفوذ.
ولم يتوقف الأمر عند أفراد.
فريق سياسي كبير، وفق الرواية نفسها، بدأ يخطّط لعودته إلى الحياة العامة من هذا الباب، معتقدا أن ساعة الخلاص السياسي دقّت عبر مكالمة هاتفية، لا عبر مشروع وطني أو قاعدة شعبية أو قراءة واقعية للتوازنات.
ولم يقتصر تأثير هذا الوهم، كما يُتداول، على سياسيين من طائفة واحدة أو موقع واحد. فبحسب ما يجري تداوله في أكثر من كواليس سياسية، لم يكن سياسيون من الطائفة السنية وحدهم ممّن رسموا خياراتهم وحساباتهم على أساس العلاقة مع هذا النصاب المزعوم، بل إنّ رئيس حزب سياسي مسيحي كبير أيضا قيل إنه بنى جزءا من مقاربته السياسية، وحدّد طبيعة علاقاته في الداخل والخارج، مع لبنانيين وغير لبنانيين، انطلاقا من هذا الباب الوهمي نفسه، معتقدا أنّه يمسك بخيط سعودي حاسم يفوق كل الخيوط المعتمدة يتيح له التموضع بشكل فضفاض وفرض شروط جديدة في الداخل.
هذه القضية، إذا ما ثبُتت وقائعها، لا تُختصر بنصاب ومحتال، ولا بقاضٍ فاسد أو غير فاسد، بل تطرح سؤالا مرعبا:
كيف يمكن لسياسيين يُفترض أنهم قادة رأي وصنّاع قرار أن يسلّموا عقولهم لمكالمة هاتفية؟
وكيف يمكن لمن يدّعي تمثيل الناس أن يراهن على الخارج بهذه السذاجة، ويضع مصير بلد على وعد شفهي غير موثّق؟
وكيف يسمحون لانفسهم في الاساس بالتشكيك باحترافية قيادة المملكة العربية السعودية بشكل عام في التعامل مع كل الملفات على مستوى العالم وهو ما يسري بطبيعة الحال على الملف اللبناني؟
إنها ليست فقط قضية نصب مالي، بل فضيحة سياسية وأخلاقية، تكشف حجم الإفلاس في التفكير، وغياب المعايير، واستسهال الارتهان، حتى لو كان الثمن الكرامة والسيادة والعقل.
ويبقى السؤال الأهم:
هل تُفتح هذه القضية أمام الرأي العام والقضاء؟
أم تُدفن كغيرها من الفضائح، لأن الفضيحة هذه المرة لا تُدين النصّاب وحده، بل تُدين من صدّقه؟




