أَنْزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُمْ

صحيفة اللواء:قاضي بيروت الشرعي الشيخ وائل شبارو-
يمكنك أن تعترض على صاحب منصب برأي أو قرار أو طريقة في الإدارة فالاختلاف جائز والمواقع العامة ليست حصانةً لأصحابها من النقد، لكن أن تترك كل ذلك، وتذهب إلى الرجل نفسه، فتنال منه بعبارات شخصية لا تناقش عملًا ولا تقيم حجة فذلك شأن آخر ….. ذلك هو الفارق الذي ضاع في منشور متداول أخيرًا تناول الشيخ الدكتور محمد عساف، رئيس المحكمة الشرعية السنية العليا، لم نقرأ فيه مناقشة لاجتهاد قضائي، ولا اعتراضًا على قرار، ولا حتى سؤالًا جادًا عن أداء المؤسسة،كان إساءة ولم يكن نقداً، وكأن كرامة الرجل تصبح مباحة لمجرد أنه يتولى شأنًا عامًا، وهنا يبدأ الكلام..
فالإسلام الذي علّم الناس التواضع، علّمهم في الوقت نفسه معرفة المقامات، ولم يجعل حسن الخلق في أن نمحو الفوارق بين الكبير والصغير، والعالم وغيره، وصاحب الولاية ومن لا ولاية له، قال رسول الله صلى اله عليه وسلم: «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا» رواه الترمذي وقال حسن صحيح، ولفظ «يعرف» هنا لطيف في موضعه، فالكبير ليس مأمورًا بأن يطالب الناس كل صباح بالاعتراف بقدره، وإنما الأدب فيمن حوله أن يعرفوا له قدره من تلقاء أنفسهم.للسن حق وللعلم حق وللمجلس أدب ولصاحب المسؤولية موقع…… وليس في شيء من ذلك كِبرٌ ما لم يحوّله صاحبه إلى كبر. فمن تواضع في حق نفسه فقد أحسن، ومن أنزل أهل الفضل منازلهم فقد أحسن أيضًا، ولا تعارض بين الأمرين إلا عند من اختلط عليه التواضع بإلغاء المقامات.
أما القضاء فله شأن آخر…..القضاء ليس مكتبًا إداريًا يتبدل شاغله ويبقى الأمر كما هو، خلف مجلس القاضي حقوق للناس وأسر وأموال وخصومات وأحكام قد يتغير بها مصير إنسان؛ ولذلك كانت هيبة القضاء أبعد من هيبة شخص القاضي. وقد عرفت كتب التراث لرئاسة القضاء مقامًا رفيعًا عبّرت عنه بمقام قاضي القضاة، بما فيه من مسؤولية واعتبار،ومهما تغيرت الأسماء والتنظيمات يبقى أصل المعنى: أن لرئاسة القضاء منزلة لا تستمد حرمتها من اسم صاحبها، بل من القضاء نفسه.
والشيخ الدكتور محمد عساف هو رئيس المحكمة الشرعية السنية العليا، هذه الصفة وحدها كافية لكي يفهم المرء أن موضعه في أي مجلس ليس شأنًا من شؤون المزاج، ولا مقعدًا يتفضل به أحد عليه، ولا مِنّةً ينبغي أن يشكر من قدمها له إنه الموضع الذي يقتضيه موقعه.يمكن للشيخ محمد عساف الإنسان أن يتواضع ما شاء، أما رئيس المحكمة الشرعية السنية العليا، فليس وحده في المشهد معه مؤسسة يمثلها وهنا ينبغي أن تقال العبارة دون مواربة:«القضاء الشرعي ليس مَكْسَرَ عصًا، ولا مقامُ رئيسه حائطًا قصيرًا يستسهل كل عابر أن يتطاول عليه.»
وليس المقصود تحصين صاحب أي منصب من النقد. فالاحترام الذي لا يحتمل خلافًا ليس احترامًا، والقاضي الذي لا يُناقش ليس قاضيًا، وليس في ثقافتنا شيء من ذلك….ناقشوه اعترضوا على حكمه إن وجدتم فيه موضع اعتراض ناقشوا اجتهاده باجتهاد انتقدوا إدارته بوقائع، فالشيخ عساف قضى عمرًا في بيئة العلم والقضاء، ويعرف قبل غيره أن الرأي يقابل بالرأي وأن الحجة لا تخشى الحجة، لكن كرامة الرجل ليست مادةً مشاعة للإساءة والانتقاص.
إن تاريخ الشيخ محمد أحمد عساف لم يبدأ يوم تسلّم رئاسة المحكمة، قبل الكرسي هناك شيخ من أهل العلم ومن بيت علم قَدَّم عالماً شهيداً. هو قاضٍ عاش مسائل الفقه لا في صفحات الكتب وحدها بل في وقائع الناس، واشتغل بالقضاء الشرعي ومسائله واجتهاداته سنوات، ومكانته عند أهل اختصاصه لم تصنعها صورة رسمية ولا كرسي في صدر مجلس.إن الجمع بين العلم والقضاء ليس أمرًا سهلاً فالعالم يستطيع أن يتأمل المسألة في هدوء مكتبته، أما القاضي فعليه أن يُنزّل ما علمه على حياة الناس، في مجلس القضاء حيث الخصوم والمصالح والبيّنات والحقوق. ولهذا كان علم القاضي علمًا ممتحنًا بالواقع كل يوم، والشيخ عساف حمل هذه التجربة قبل أن يحمل رئاسة المحكمة.
يمكن للمرء أن يحبه أو ألا يحبه، أن يوافقه أو يخالفه، لكن الإنصاف شيء آخر؛ فالإنصاف أن نعطي العالم حق علمه ولو خالفناه، وأن نعطي القاضي حق القضاء ولو خاصمناه، وأن نعطي رئيس المحكمة حق موقعه ولو لم يكن على هوانا… أما أن تتكرر الإساءة إلى الرجل نفسه، ثم يُطلب منا كل مرة أن نقرأها كأنها واقعة ولدت في ساعتها، فذلك أمر يصعب فهمه على هذا النحو، والأغرب أن يكون الرجل الذي تُكال له الكلمات حاضرًا باسمه ووجهه وصفته، فيما يختار صاحب تلك الكلمات ألا يعرّف الناس باسمه أصلًا.
ليس الاسم المستعار جريمة، ولا الاسم الصريح شهادة شجاعة بذاته. لكن للمشهد مفارقته: رجل معلوم يُطعن في شخصه، وطاعن يظل خلف ستار. فإن كنت تملك رأيًا فقل رأيك، وإن كنت تملك حجة فهات حجتك، أما الإهانة فهي أقصر الطرق جميعًا لأنها لا تحتاج إلى علم ولا إلى برهان ولا حتى إلى كثير عناء.ولعل القضية كلها تختصر في أمر أبسط مما ظنناه: نحن لا نطالب أحدًا بأن يحب الشيخ محمد عساف،ولا بأن يوافقه، نطالبه فقط بشيء تعلمناه قبل أن نعرف المحاكم والبروتوكولات والمناصب: أن يعرف للعلم حقه، وللقضاء حرمته، وللناس منازلهم. وهذا هو الأدب.
اللواء



