محمد عساف… قامةٌ قضائية لا تختصرها رواية|بقلم: المساعد القضائي الشيخ عبدالرزاق محمود مغربي

ليس كل ما يُكتب يُصدَّق… وليس كل ما يُقال يُدان به الرجال
حين يتناول البعض شخصية قضائية بحجم رئيس المحكمة الشرعية السنية العليا الشيخ الدكتور محمد أحمد عساف، فإن المسؤولية تفرض التوقف ملياً أمام ما يُكتب، ليس دفاعاً عن شخصٍ بعينه فحسب، وإنما دفاعاً عن الحق في الإنصاف، وعن حرمة الكلمة، وعن هيبة القضاء التي لا يجوز أن تكون مادة للتجاذب الشخصي.
لقد طالعنا في الآونة الأخيرة كلاماً يتناول الشيخ عساف بأسلوب يتجاوز حدود النقد إلى إصدار أحكام قاسية على شخصه وشخصيته وأهليته وموقعه، مستنداً إلى رواية عن واقعة اجتماعية، من دون تقديم ما يكفي من الأدلة التي تسمح بتحويل تلك الرواية إلى حقيقة ثابتة، ثم إلى حكم شامل على رجلٍ ومسيرة.
وهنا لا بد من قولها بوضوح:
لا تُدان القامات القضائية بالروايات، ولا تُحاكم المسيرات الطويلة بمنشور، ولا تُهدم السمعة المهنية بعبارات منقولة تحت عنوان «يقال».
لنفترض صحة الرواية… فهل تصح النتيجة؟
حتى لو افترضنا جدلاً أن الواقعة التي جرى تداولها قد حدثت بالفعل، فإن السؤال العلمي والمنطقي يبقى: هل تكفي واقعة اجتماعية واحدة للحكم على شخصية قاضٍ، وعلى أهليته القضائية، وعلى سنوات عمله، وعلى مستقبله المهني؟
بالتأكيد لا.
فقد يكون هناك اختلاف في فهم موقف اجتماعي، وقد يكون هناك سوء تقدير، وقد تكون هناك روايتان مختلفتان للواقعة نفسها، وقد تكون التفاصيل التي نُقلت ناقصة أو مجتزأة.
لكن تحويل كل ذلك إلى أحكام قطعية على شخصية الرجل هو قفزة غير مبررة من الواقعة المفترضة إلى الإدانة المؤكدة.وهذا تحديداً ما يرفضه المنطق قبل القانون.
أين الدليل على كل هذه الأحكام؟
عندما يُتهم رجل قضائي بأنه متكبر أو متسلط أو غير مؤهل لموقعه، فالسؤال البديهي هو:
أين الدليل؟
أين الحكم القضائي الذي يثبت خللاً في أدائه؟
أين القرار الإداري الذي يثبت تجاوزاً منه؟
أين الوقائع المهنية الموثقة التي تسمح بإطلاق مثل هذه الأحكام؟
أين الجهات المختصة التي خلصت إلى ما يُقال عنه؟
أما أن تُبنى هذه الصورة على رواية اجتماعية، ثم يُطلب من القارئ أن يسلّم بكل الاستنتاجات التي أُسقطت عليها، فهذا ليس نقداً علمياً، بل محاكمة إعلامية من دون ملف اتهام.
محمد عساف أكبر من أن يُختصر بحادثة
الشيخ محمد أحمد عساف ليس شخصية مجهولة في الوسط القضائي حتى تُبنى صورته من حادثة أو رواية.
إنه رئيس المحكمة الشرعية السنية العليا، وموقعه بحد ذاته يفرض أن يكون الحكم على تجربته قائماً على سنوات عمله ومسؤوليته وأدائه، لا على الانطباعات.
ومن عرف العمل القضائي يعرف أن المسؤولية في هذا الموقع ليست وجاهة ولا لقباً، وإنما ملفات وقضايا ومراجعات وأعباء يومية، ومسؤولية تتصل بحقوق الناس وأحوالهم وأسرهم.ولهذا فإن تقييم الرجل يجب أن يكون بحجم المسؤولية التي تحملها، وبحصيلة عمله، وبما أنجزه أو أخفق فيه، لا بما يُقال في مجلس أو يُكتب في منشور.
من يريد محاسبته فليحاسبه بالدليل
نحن لا نقول إن الشيخ عساف فوق النقد.بل نقول شيئاً أكثر عدلاً:إذا كان هناك خطأ، فليُذكر. وإذا كان هناك تقصير، فليثبت. وإذا كان هناك تجاوز، فلتُقدَّم أدلته.أما إطلاق الأحكام الشخصية، والتشكيك في الأهلية، والطعن في النوايا، وتحويل الخلاف إلى حملة على الرجل، فهذه ليست الطريقة التي تُصلح القضاء.بل إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مؤسسة قضائية هو أن تتحول محاسبة العاملين فيها من معايير مهنية إلى انطباعات شخصية.
الدفاع عنه ليس تقديساً
ومن المهم أن يكون الأمر واضحاً: الدفاع عن الشيخ محمد أحمد عساف لا يعني القول إنه معصوم من الخطأ.
القضاة بشر، والمسؤولون بشر، وكل تجربة بشرية قابلة للنقد والتقييم.لكن الدفاع عنه يعني رفض أن يُحرم من أبسط قواعد الإنصاف التي نطالب بها للجميع: أن يُسمع، وأن يُناقش، وأن تُعرض الوقائع كاملة، وأن يكون الحكم مبنياً على دليل.فكما نرفض الظلم عندما يقع على أي شخص، يجب أن نرفضه عندما يقع على قاضٍ أو عالم أو مسؤول.
هيبة القضاء ليست ملكاً لشخص
والأهم من شخص الشيخ عساف نفسه أن المسألة تتصل بمقام القضاء.عندما نسمح بتحويل قاضٍ إلى هدف للتجريح الشخصي بسبب رواية غير مكتملة، فإننا لا نسيء إلى الرجل وحده، بل نضعف الثقة بالمؤسسة التي يمثلها.النقد مطلوب.المساءلة مطلوبة.المحاسبة مطلوبة.لكن التشهير ليس نقداً، والاتهام ليس دليلاً، وتكرار الرواية لا يجعلها حقيقة.هذه ليست قاعدة دفاع عن الشيخ عساف فقط؛ بل قاعدة يجب أن نتمسك بها عندما يتعلق الأمر بأي قاضٍ أو مسؤول أو شخصية عامة.
كلمة إلى من كتب ومن نقل
من حقكم أن تختلفوا مع الشيخ محمد عساف.ومن حقكم أن تنتقدوا أداءه.ومن حقكم أن تطرحوا الأسئلة حول أي قرار أو موقف.لكن ليس من حق أحد أن يستبدل الدليل بالهمس، والحجة بالإهانة، والمساءلة بالتشهير.وإذا كانت لديكم واقعة موثقة، فضعوها أمام الناس والجهات المختصة.
أما أن تبدأ الحكاية بـ«يقال»، وتنتهي بحكم على أخلاق الرجل وأهليته ومستقبله، فهنا يصبح السؤال مشروعاً:هل نحن أمام نقدٍ يريد الإصلاح، أم أمام حملة تريد إسقاط الصورة قبل مناقشة الحقيقة؟
محمد عساف… القامة التي لا تهزها رواية
لقد علّمتنا التجارب أن الأشخاص الذين يتولون مواقع عامة سيواجهون النقد، وهذا أمر طبيعي.لكن الرجال لا تُقاس بمقال واحد، والقضاة لا تُقاس أحكامهم بما يُكتب عنهم، والمسيرات لا تُمحى برواية عابرة.والشيخ محمد أحمد عساف، بما يمثله موقعه القضائي، يستحق أن يكون النقاش حوله على مستوى القضاء، لا على مستوى التجريح الشخصي.فإن أخطأ، فليُذكر خطؤه.وإن أصاب، فليُذكر فضله.وإن اختلفنا معه، فلنختلف معه بالحجة.لكن لا يجوز أن تتحول الخصومة إلى إسقاط، ولا الرواية إلى إدانة، ولا المنشور إلى محكمة.إن أردنا إصلاح القضاء، فلنناقش القضاء.وإن أردنا مساءلة القاضي، فلنناقش أداءه.وإن أردنا الحقيقة، فلنبحث عن الدليل.
أما الشيخ محمد أحمد عساف، فتبقى قامته القضائية أكبر من أن تختصرها رواية، وأكبر من أن تُحاكم بمنشور، وأكبر من أن تُختزل سنوات من العمل في حادثة لم تثبت تفاصيلها للرأي العام.
فالإنصاف ليس مجاملةً لعساف، بل عدالةٌ في حقه.والدفاع عنه ليس انحيازاً، بل رفضٌ للظلم.والاحتكام إلى الدليل ليس ترفاً، بل هو الطريق الوحيد إلى الحقيقة.




