الباروميتر اللبناني: انقسامات طائفية وتغييرات بعد 7 أكتوبر

بقلم لبنى عويضة… خاص جريدة الرقيب الإلكترونية:
بعد الحرب الطاحنة التي اندلعت في 7 تشرين الأول 2023 في قطاع غزة، واحتدام المعارك في جنوب لبنان مع قوات الاحتلال الإسرائيلي، ظهرت تغييرات واضحة في مواقف اللبنانيين تجاه اللاعب الرئيسي في السياسة اللبنانية والإقليمية وهو “حزب الله”.
يعود تاريخ المعارك بين الحزب والعدو الإسرائيلي إلى زمن طويل من الصراعات، وجذوره تعود إلى فترة الاجتياح الإسرائيلي سنة 1982 واحتلال جزء من جنوب لبنان بين عامي 1985 و2000، إضافة إلى الحرب واسعة النطاق التي خاضها الجانبان سنة 2006. تفاقم حجم الصراع وازداد عقب معركة “طوفان الأقصى” والوحشية التي أظهرها العدو في حرب الإبادة التي يمارسها في قطاع غزة. هذا وأخذت تهديدات الجانب الإسرائيلي للبنان تتزايد يومياً مما انعكس على الداخل اللبناني وأدى إلى انقسامات حادة بين المواطنين، والمفاجئ أن هذه الانقسامات استعادت شكلها التقليدي المزمن في لبنان وتمظهرت بمظهرٍ طائفي بحيث بدت هذه الانقسامات حادة بين الرأي العام المسيحي والرأي العام الإسلامي، أي بين المسلمين والمسيحيين.
في استطلاع رأي قامت به شركة وموقع “المرفأ” بتاريخ 22/07/2024، والذي جرى على مدى عدة أيام، شمل ثمانية أقضية لبنانية وهي: بيروت الأولى، بيروت الثانية، الشوف-إقليم الخروب، البقاع الغربي، المتن الشمالي، كسروان، البترون-الكورة، وطرابلس (تم اعتبار البترون والكورة قضاءً واحدًا). هدف الاستطلاع كان دراسة موقف اللبنانيين المسيحيين والسنة من أداء حزب الله ونظرتهم إليه. جرى الاستطلاع على عينة عشوائية من المواطنين في كل قضاء (من أبناء القضاء المقترعين فقط) مع مراعاة التوازن العمري، وتم استصراح الأشخاص الذين تجاوزوا الثامنة عشرة من العمر.
اعتبر 82.6% من المسيحيين أن حزب الله كيانٌ خارجٌ عن الشرعية، بينما يرى 17.4% منهم فقط أنه قوة مقاومة. كما أن 63.7% من المسيحيين قالوا إن موقفهم من حزب الله لم يتغير بعد الحرب، في حين أقر 31.8% منهم أنهم لم يعودوا يؤيدون الحزب بعد الأحداث الأخيرة.
في المقابل، يرى 60.9% من السنة أن حزب الله يتقدم على إسرائيل في الحرب، مما يعكس تأييدًا لدوره العسكري. كما يعتبر 69.6% من السنة أن حزب الله قد حمى لبنان وردع إسرائيل بنشره الفيديوهات التي عرفت بفيديوهات “الهدهد” أي الطائرة المسيرة التي التقطت مواقع عسكرية وحيوية حساسة جداً في المدن الإسرائيلية.
أظهر الاستطلاع أيضًا أن هناك اختلافًا كبيرًا بين المسيحيين والسنة في نظرتهم إلى إسرائيل. ترى الأغلبية الساحقة من السنة (100%) أن لإسرائيل أطماعًا حقيقية في لبنان، بينما تشارك الأغلبية المسيحية (86.4%) نفس الرأي.
كما يعتقد 77.3% من المسيحيين أن إسرائيل تتقدم على حزب الله في الميزان العسكري، في حين يرى 60.9% من السنة أن حزب الله يتقدم على إسرائيل عسكريًا.
تعكس هذه النتائج التوترات الطائفية والسياسية في لبنان وتأثير النزاع مع إسرائيل على مواقف اللبنانيين. تعتبر مواقف السنة أكثر تأييدًا لحزب الله ودوره في مواجهة إسرائيل، بينما تتسم مواقف المسيحيين بالشكوك والمخاوف تجاه دور الحزب وتأثيره على البلاد.
لعل هذه الأرقام تشير إلى عمق الانقسامات بين الجانبين، وتحديداً بين أبناء الوطن الواحد تجاه كيان يتفق الجميع على عدائه ولا شرعيته. ربما ليس هذا الاختلاف الأول بين الفئتين، إذ إن الحرب الأهلية سنة 1975 وما تناسل منها من حروب متنوعة هي خير مثال على مدى عمق الأزمة الوطنية في لبنان.
يمكن القول إن صعود حزب الله في العقود الثلاثة الماضية أدى إلى تغيير جذري في ميزان القوى اللبنانية. فهو حزب سياسي قانوني كما أنه الأكثر تسلحاً، ومن الجانب السني المؤيد له، يعود التأييد لاعتبارات أيديولوجية أهمها موقف الحزب الثابت من العداء لإسرائيل والدفاع عن حقوق الفلسطينيين والأراضي المقدسة. هذا ما أدى لارتفاع أسهمه لبنانياً بعد 7 أكتوبر، خاصة مع ازدياد المخاوف من احتمال اندلاع حرب مفتوحة مع العدو. لذا، يشجع مسلمو لبنان على ضرورة تصدي حزب الله لأي اعتداء إسرائيلي، وهو ما يرسخ مبدأ “أنا وابن عمي ضد الغريب”. وبلا ادنى شك فإن التغييرات الحاصلة في المزاج السني اللبناني تجاه حزب الله ما بعد ٧ اكتوبر يشكل استعادة للموقف السني التقليدي والأساسي والذي يعبّر عن الوجدان السني اللبناني وهو موقفٌ ضد اسرائيل بالدرجة الاولى وضد كل من يقاتل اسرائيل، ولعل هذا يذكرنا بالعبارة الشهيرة التي أطلقها الرئيس الراحل عمر كرامي حينما قال “لا يجوز ولا يمكن ان يكون حزب السنة في لبنان ضد الحزب الذي يقاوم اسرائيل”.
لا يتمنى أحد اندلاع حرب شاملة في لبنان، إلا أن الوضع جنوباً لا ينذر بالخير، خصوصاً أن العدو يزداد شراسة ودموية. فلم يحافظ العدو على مبادئ الحرب والشريط الحدودي، بل إن ضرباته تتوغل يوماً بعد الآخر، آخذة بالتوسع وغير آبهة بالأطفال أو المستشفيات أو عناصر الدفاع المدني والصليب الأحمر أو الصحافة… أي أنها تنتهك القانون الدولي الإنساني بشكل صارخ وبدون حسيب ولا رقيب، وهذا ما يحتّم الوقوف بوجه إسرائيل ومنعها من تخطي حدودها. فاللبنانيون لا يريدون الحرب حكماً، لكن ذلك لا يعني ترك الحدود مفتوحة لتوغل الأعداء وري عروقهم المتعطشة للدماء والأراضي اللبنانية.
لكن في حال تنفيذ الهدنة في غزة، كيف سيتمكن المنقسمون في لبنان من تقبّل الوضع والعودة لهدوء ما قبل ٧ تشرين؟
فالكل يبحث عن اليوم التالي لغزة ولا احد يسأل عن ما هو اليوم التالي ل لبنان.




