طرابلس بين خيوط النسيج وحدّة الرؤية: من سيخيط جراح المدينة؟

بقلم: لبنى عويضة…
خاص: جريدة الرقيب الالكترونية
عشية انعقاد الجلسة الأولى لبلدية طرابلس من أجل انتخاب رئيسها، وبعد أن أسدل الستار عن الانتخابات البلدية التي شهدت شدًّا وجذبًا، تكشّفت هشاشة البنية الاجتماعية في مدينةٍ تختصر معاناتها بتراكم الخسارات. طرحت نتائج الانتخابات سؤالًا مفصليًا: هل تستطيع السلطة المحلية الجديدة أن تتجاوز الاصطفافات والمناكفات وتعيد تعريف دورها كركيزة أساسية في مشروع استنهاض حضاري واجتماعي طال انتظاره؟
طرابلس لا تفتقر إلى الكفاءات ولا الشهادات، بل إلى الإرادة المحرّرة من قبضة الاستهلاك الشعبوي. مدينة مُهمّشة البنية، مسحوقة اقتصاديًا، ومتروكة أمنيًا، باتت تعيش على الهامش الزمني للدولة. وفي غمرة هذا الانهيار المتعدّد الأوجه، يقف المجلس البلدي الجديد أمام تحدّيات جمّة ستكشف سريعًا مدى تماسكه أو هشاشته.
صحيح أن البلدية ليست مصباح علاء الدين، ولا تمتلك عصًا سحرية لإخراج “الزير من البير”، كما يُقال، إلا أن المدينة عطشى لأشخاص يمسكون بزمام الأمور بقلبٍ واحد ويدٍ واحدة، ويُصوّبون البوصلة نحو خدمة طرابلس وأبنائها، ولو بأبسط الإمكانيات. المطلوب هو العمل ضمن منطق واقعي وقدرات المدينة، لا على أساس وعود خيالية من عالم ديزني! فما تعانيه طرابلس ليس أزمة عابرة بل سلسلة كوارث متراكمة يجب أن تبدأ البلدية الجديدة بمواجهتها دون تأخير.
المدينة في قلب العطب: أزمات تُراكم الفشل
1- بنية تحتية تجسّد الانهيار
الطرقات محفّرة كأعماق الجراح، تبتلع المركبات وتُخلّف الحوادث. الأرصفة غائبة، والإنارة مقطوعة، وإشارات المرور تُسرَق، وشبكات المياه والصرف الصحي باتت غير صالحة حتى للري. هذا ليس عطبًا تقنيًا بل انهيارٌ إداريّ موصول بغياب التخطيط الرؤيوي. في طرابلس، لا ينهار الزفت فحسب، بل تنهار معه ثقة الناس بالدولة.
2- كارثة النفايات تبتلع البيئة
تلال النفايات بين الأحياء ليست مجرّد أزمة بيئية، بل فضيحة إدارية تُجسّد فشلًا في التخطيط والمراقبة وإدارة العقود. غياب أي رؤية متكاملة من الجمع إلى الفرز والمعالجة، يؤكد أن النظام البلدي السابق قد رضخ لمنطق الزبائنية بدلًا من احترام قواعد الإدارة السليمة.
3- غياب التنمية: الحصار الاقتصادي الممنهج
رغم إرثها التجاري والصناعي، تنزلق طرابلس تدريجيًا نحو الاستهلاك دون إنتاج. البطالة، هجرة الكفاءات، إقفال المؤسسات الصغيرة، وغياب التحفيز الاستثماري، تُترجم شللًا اقتصاديًا تغذّيه بيروقراطية المركز والتقصير المحلّي معًا.
4- تفكك اجتماعي واستفحال الفقر
في الأحياء الهامشية، لا يُعاني السكان من الحرمان فحسب، بل من فقدان الأمل. تفشّي آفة المخدرات، الانقطاع المدرسي، وغياب شبكات الحماية الاجتماعية تحوّل إلى مشهد اعتيادي… الدولة تنسحب، والبدائل إمّا غائبة أو تُدار بعقلية خيرية مؤقتة لا تُنتج حلولًا.
5- الكلاب الشاردة: فوضى بيئية تنذر بالخطر
إلى جانب التفكك الاجتماعي، برز ملف الكلاب الشاردة كعنوان إضافي على تآكل الإدارة المحلية. المشهد لم يعُد هامشيًا، بل خطرًا يوميًا على السلامة العامة، خصوصًا في الأحياء المكتظّة. ورغم تكرار الشكاوى، بقيت البلديات السابقة غائبة عن أي خطة جدّية. المطلوب اليوم إدارة منهجية تنطلق من التعقيم والتلقيح والتوعية، وصولًا إلى إنشاء مراكز رعاية تحفظ حق الإنسان والحيوان معًا. فالمدينة التي تعجز عن حماية ناسها من الخطر اليومي، تفقد شرعيتها مهما علت شعاراتها.
جميع هذه الملفات – من انهيار البنية التحتية، مرورًا بكارثة النفايات، وانعدام التنمية، وتفكك النسيج الاجتماعي، وصولًا إلى أزمة الكلاب الشاردة – ليست مجرد أعراض متفرّقة، بل تحديات بنيوية خانقة تُحاصر طرابلس وتشكّل أولى المحكّات الفعلية أمام المجلس البلدي الجديد. وهي تحديدًا النقاط التي ينبغي أن تنطلق منها أي بلدية تنوي أن تحكم باسم المدينة، لا باسم من أوصلها إلى مقاعدها.
البلدية: بين فرصة الترميم ومخاطر الانقسام الداخلي
البلدية ليست جهازًا خدماتيًا فحسب، بل سلطة محلية قادرة، إن أُديرت بعقلية رشيدة، على تغيير المسار. لكن في طرابلس، أُثقلت المجالس البلدية المتعاقبة بأثقال التجاذب الشخصي، وتحولت من مساحة عمل تنموي إلى حلبة نزاع لا تشبه المدينة ولا تتقن لغتها.
اليوم، أمام المجلس الجديد فرصة نادرة: أن يشتبك مع الواقع لا مع ذاته، أن يبني لا أن يفاوض على من سيبني، وأن يخضع لمساءلة الناس لا للمسايرة. آن الأوان للخروج من الخطاب الوظيفي نحو خطاب إنتاج بلدي شامل: خدمات، فرص، هوية مدينية، إعادة إحياء المواقع الأثرية والتراثية، وجذب السواح من الداخل والخارج…
حان وقت استرداد المدينة
طرابلس لا تحتاج إلى “فائزين” بلديين، بل إلى مسؤولين أخلاقيين لا يُراهنون على الانتصار بل على الإنقاذ. لا نريد بلدية تُدار عن بُعد، بل إدارة تُشبه المدينة وتعيش نبضها، لا تراقبها من خلف الستار.
لقد تعب الطرابلسيون من الخطابات العالية والإنجازات المتأخرة. المدينة تستحقّ من يتعامل معها ككائن حيّ، لا كأداة انتخابية. إما أن نعيد لها حقها في الحياة الكريمة، أو نُكرّس سقوطها في زمن اللاعدالة. وفي كلتا الحالتين، لن يسأل التاريخ من انتصر… بل من تواطأ بالصمت.
وغدًا، في جلسة انتخاب رئيس البلدية، سيكون الخيط الفاصل بين من يُصرّ على تمزيق المدينة بخلافاته، ومن يجرؤ أخيرًا على خياطتها بضمير.
ويبقى السؤال معلّقًا: من يخيط جراح المدينة ومن يسعى لمصلحة المدينة؟




