إلى من عزف الذاكرة: طرابلس تستذكر إلياس الرحباني

بقلم: لبنى عويضة…
خاص: جريدة الرقيب الإلكترونية
في زمنٍ تُدفن فيه الذاكرة تحت ركام التهميش، وتتهاوى فيه أعمدة الفنّ الراسخة بفعل السقوط الحضاري والانهيار، يبقى استحضار الكبار فعلًا مضادًا للنسيان، ومقاومة ناعمة في وجه الفقد.
ومن هذا الأفق، نظّم مركز إيليت للثقافة والتعليم في طرابلس لقاءً تكريميًا للفنان الكبير الياس الرحباني، ضمن سلسلة “استذكار أعلام مبدعين من لبنان”، وذلك يوم الإثنين في ٣ حزيران ٢٠٢٥. لم يكن اللقاء مجرّد مناسبة احتفائية، بل لحظة وفاء لوجدان موسيقي عاش في ذاكرة اللبنانيين، وشكّل مع أخويه أحد أعمدة المدرسة الرحبانية التي رسمت ملامح لبنان في الصوت والنغمة والحلم.
افتتحت الأمسية الدكتورة إيمان درنيقة الكمالي، رئيسة المركز، بكلمة شددت فيها على ضرورة استعادة رموزنا الثقافية في زمن التفكك، أعقبتها تحيّة شاعرية صادقة من الشاعر الكبير هنري زغيب، أضاء فيها على الوجه الإنساني للياس الرحباني: ذاك العاشق للجمال، المبتكر الذي عاش خارج الأطر، ورسم لنفسه مسارًا فنيًا متفرّدًا، تميّز بالجرأة والتجريب.
ألّف الياس الرحباني أكثر من ٦٠٠٠ لحن، وترك بصماته على عشرات المسلسلات والأفلام والمسرحيات وحتى الإعلانات، وكتب أغانٍ خالدة غنّاها عمالقة مثل فيروز، صباح، وملحم بركات. امتلك قدرة فريدة على التوفيق بين الحسّ الشرقي وروح الموسيقى العالمية، فكان امتدادًا للمدرسة الرحبانية لا على شكل تكرار، بل كحالة مستقلة تحاكي المستقبل دون أن تتنكر لجذورها.
اللقاء، الذي تخللته مشاهد أرشيفية نادرة وأفلام قصيرة، جسّد جسرًا بين الذاكرة الحيّة وجيل بات في أمسّ الحاجة إلى من يذكّره بجماله الداخلي. غير أن الرمزية الأكبر كانت في مكان الحدث نفسه: طرابلس، المدينة التي كثيرًا ما تُختزل في صورة نمطية من الإهمال والعنف، تثبت مرة جديدة أنها مدينة الثقافة العريقة، والحسّ الإبداعي المتجذّر.
من قلب شوارع طرابلس، امتدّت لحظة صفاء وسط الضجيج. المدينة التي أنجبت مفكرين وموسيقيين وروّادًا، استعادت عبر هذا التكريم حضورها الثقافي، وكرّمت من يشبهها: الياس الرحباني، الفنان الذي آمن أن الموسيقى قادرة على شفاء الروح، حتى في أحلك اللحظات.
تكريم شخصية بحجم الرحباني لا يقتصر على الاحتفاء بماضٍ جميل، بل هو فعل إحياء لذاكرة، ولمدينة، ولحسّ جمعي بات يتآكل. ففي هذا الزمن الرمادي، يظلّ الفنّ هو النغمة الوحيدة القادرة على كسر الصمت، وتذكيرنا بأن الجمال، وإن بدا منسيًا… لم يُهزم بعد.






