راديو الرقيب
خاص الرقيبخاص سلايدرمقالات

من الانهيار إلى البحث عن بدائل: هل تكفي “صُنع في لبنان” لإنقاذ الاقتصاد؟

بقلم: لبنى عويضة…

خاص: جريدة الرقيب الالكترونية

لم تكن محاضرة مدير عام وزارة الاقتصاد والتجارة، الدكتور محمد أبو حيدر، في معرض رشيد كرامي الدولي بطرابلس يوم أمس، مجرّد قراءة في أرقام جامدة أو سرد لتواريخ وأزمات. بل بدت أقرب إلى شهادة صريحة عن بلدٍ عاش عقداً بعد آخر على أوهام الاستقرار النقدي، ليصحو فجأة على واقع الانهيار، ويحاول أن يتشبّث ببصيص أمل في قلب عاصفة الانكشاف المالي والضغوط الإقليمية والدولية.

أبو حيدر، وهو يستعيد صورة لبنان الذي حمل يوماً لقب “سويسرا الشرق” بفضل متانة قطاعه المصرفي وسريته وسمعته الطبية والسياحية، لم يتردّد في فتح الجرح من جديد: بلدٌ عُلّق على تثبيت وهمي لسعر الصرف (1500 ليرة للدولار) منذ ما بعد الطائف، فيما تُركت القطاعات المنتجة تتآكل على الهامش. وحين جاء عام 2019، سقطت كل الركائز التي بُني عليها الاقتصاد – من أموال المغتربين إلى السياحة والاستثمارات الخارجية – دفعة واحدة، لتتكشّف الهوة الحقيقية.

لكن ما يزيد الصورة قتامة أنّ الانهيار الداخلي ترافق مع صدمات خارجية خانقة: حرب روسيا – أوكرانيا التي ضربت شريان القمح إلى لبنان، القرارات الحمائية في الجزائر التي زادت أسعار السكر محلياً، الارتفاع المخيف في كلفة التأمين بفعل التوترات الإقليمية، وصولاً إلى الاعتداءات الإسرائيلية المتكرّرة. هكذا أصبح الاقتصاد اللبناني أكثر من أي وقت مضى رهينة الخارج، من غذائه حتى طاقته.

وسط هذه العتمة، يطرح أبو حيدر ما يمكن تسميته بـ “شرارة الأمل” تحت شعار “صُنع في لبنان”، أي الاعتماد على الإنتاج المحلي كبديل ولو جزئي عن السلع المستوردة. غير أنّ السؤال الذي يفرض نفسه: كيف يمكن لاقتصاد يعتمد بنسبة 86% على الاستيراد أن ينهض فقط عبر بدائل محلية محدودة؟ وهل تكفي التشريعات لحماية الإنتاج إذا لم تترافق مع رؤية وطنية أوسع تُعيد الاعتبار للزراعة والصناعة وتواجه منطق الريع والمضاربات؟

وما يزيد من حدّة التناقض أن أبو حيدر نفسه يعترف بأن هذا الخيار يفتقد إلى “الاستدامة”. ما يجعله أقرب إلى محاولة لإحياء الأمل في مجتمع يترنّح تحت أثقال الانهيار، أكثر مما هو مشروع إنقاذ حقيقي، إلا إذا تحوّل إلى سياسة دولة متكاملة ومحمية سياسياً وتشريعياً.

ومع ذلك، لا يمكن القفز فوق حقيقة أن طرابلس، المدينة التي احتضنت هذه المحاضرة، تملك مقوّمات تؤهّلها لتكون رافعة لأي خطة نهوض مقبلة. ما يُعرف بـ«الميمات الستة» – المرفأ، المطار، المعرض، المنطقة الاقتصادية الخاصة، الموارد البشرية، والمدينة القديمة – ليست شعارات فضفاضة، بل ركائز يمكن تحويلها إلى قيمة اقتصادية مضافة: من ربط لوجستي عبر المرفأ والمطار، إلى جذب استثمارات في المعرض والمنطقة الاقتصادية، وصولاً إلى تحويل غنى المدينة التاريخي والبشري إلى موردٍ يعزز الاقتصاد المنتج.

في النهاية، لا ينقص الطرح الرسمي صراحة في توصيف المرض، لكن العلاجات ما زالت عالقة بين مسكّنات قصيرة المدى وإصلاحات جزئية متقطعة. وبين بلدٍ يترنّح على حافة الانهيار وبصيص أمل يبحث عن من يلتقطه، يبقى السؤال الأثقل: هل يملك لبنان وقتاً إضافياً قبل أن تبتلع الأزمات ما تبقّى من قدرته على البقاء؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock