راديو الرقيب
خاص الرقيبخاص سلايدرمقالات

ما لا تعرفه عن قانون يشكّل سلاحًا بيد المواطن الصامت

بقلم: لبنى عويضة…

خاص: جريدة الرقيب الالكترونية

هل خطر لك يومًا أن تتساءل: إلى أين تذهب أموالنا؟ كيف تُصرف الموازنات العامة؟ ولماذا تُدار شؤون الدولة كأنها أسرار محظورة على أصحابها الحقيقيين، أي الشعب؟

في لبنان، اعتدنا على عبارة: “ما حدا بيعرف شي.. هيك الدولة بدها”، لكن الواقع تغيّر، على الأقل نظريًا، منذ عام 2017، عندما أقرّ مجلس النواب قانونًا غير عادي هو قانون الحق في الوصول إلى المعلومات رقم 28/2017.

يُعدّ هذا القانون من أبرز التشريعات التي كرّست مبدأ الشفافية، إذ يمنح المواطنين حقهم الطبيعي في الاطلاع والمساءلة، وهو حق أساسي نصّ عليه الدستور اللبناني والمواثيق الدولية. فالمعلومة ليست مجرد تفصيل إداري، بل شرط أساسي لحرية التعبير والمشاركة في الحياة العامة. كيف يمكن للمواطن أن يكوّن رأيًا أو يراقب أداء المؤسسات العامة إن لم يكن مطّلعًا على الحقائق التي تُدير شؤون بلاده؟

صدر القانون في 10 شباط 2017، وتبعه المرسوم التطبيقي رقم 6940 في 8 أيلول 2020، قبل أن يُعدّل بموجب القانون رقم 233 في 16 تموز 2021. ويتيح القانون لكل شخص، طبيعيًا كان أو معنويًا، أن يطلب المعلومات من الإدارات العامة دون النظر إلى جنسيته أو صفته، ومن دون الحاجة لتبرير سبب الطلب أو وجهة استخدام المعلومة. ويشمل ذلك رئاسة الجمهورية، مجلس النواب، الحكومة والوزارات، المؤسسات العامة، البلديات، الشركات المختلطة مثل طيران الشرق الأوسط وتلفزيون لبنان، المؤسسات ذات المنفعة العامة كاللجنة الدولية للصليب الأحمر، الهيئات المستقلة مثل مصرف لبنان والهيئة الوطنية لشؤون المرأة، والشركات التي تدير مرافق عامة مثل “ليبان بوست”.

ويحق لأي مواطن طلب أي معلومة موجودة في المستندات الإدارية، سواء أكانت ورقية أو إلكترونية، أو حتى تسجيلات صوتية ومرئية، بغضّ النظر عن مصدرها أو ملكيتها. يمكن طلب لائحة بأسماء الموظفين الذين حصلوا على ترقيات، أو الاطلاع على تقارير المشاريع المنفّذة من قبل الجهات الرسمية. وتمنح الإدارات خيارين لطالب المعلومة: الاطلاع على المستندات مباشرة في مقرّ الجهة، أو الحصول على نسخة ورقية أو إلكترونية مجانًا عبر البريد الإلكتروني.

رغم هذا الحق الواسع، هناك حدود واضحة لحماية المصلحة العامة والخصوصية الشخصية. فالقانون يستثني المعلومات المتعلقة بالدفاع الوطني والأمن الداخلي، العلاقات الخارجية الحساسة، التحقيقات القضائية والإدارية الجارية، البيانات الشخصية المحمية، والأسرار المهنية أو المصرفية. أما كل ما عدا ذلك، من الموازنات إلى العقود ونتائج المناقصات، فحقّ المواطن الاطلاع عليها.

لتقديم الطلب، يمكن اللجوء إلى الوسائل الخطية أو الإلكترونية إذا توفرت، شرط أن يتضمّن الطلب تفاصيل كافية لتوضيح نوع المعلومة، وأن يرفق بإثبات هوية مقدّمه. كما تُلزم الإدارة بتعيين موظف معلومات يتابع الطلبات ويوجه المواطنين ويبحث عن المستندات المطلوبة، مع نشر تفاصيل التواصل معه في الجريدة الرسمية وعلى المواقع الإلكترونية.

يجب على الإدارة الرد خلال خمسة عشر يومًا، مع احتساب أيام العطل، ويمكن تمديد المهلة لمرة واحدة فقط ولمدة خمسة عشر يومًا إضافية إذا كانت المعلومة معقّدة أو تستلزم مراجعة جهة أخرى. وفي حال عدم الرد يُعتبر الطلب مرفوضًا ضمنيًا، أما إذا صدر رفض صريح فيجب أن يكون مكتوبًا ومبررًا. ويحق للمواطن تقديم شكوى أمام الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد التي تنظر بها خلال شهرين، ويكون قرارها ملزمًا للإدارة وقابلاً للطعن أمام مجلس شورى الدولة.

من المبادئ المهمة أيضًا موجب النشر حكمًا، الذي يلزم الإدارات بنشر المعلومات تلقائيًا دون حاجة لتقديم طلب. ويشمل ذلك الأسباب الموجبة للقوانين والمراسيم، القرارات والتعليمات والتعاميم ذات الطابع التنظيمي خلال خمسة عشر يومًا، العمليات المالية التي تزيد عن خمسين مليون ليرة باستثناء الرواتب والتعويضات، والتقارير السنوية التي تبيّن آلية عمل الإدارة وأهدافها ومشاريعها المنفذة وغير المنفذة وأسباب التعثّر.

يُعتبر هذا القانون أداة أساسية لمحاربة الفساد وتعزيز المساءلة، إذ يمنح المواطنين القدرة على الوصول إلى المعلومات المتعلقة بالإدارات العامة، فيحوّل الرقابة من شعار نظري إلى ممارسة واقعية قائمة على الأدلة والشفافية. وفي المقابل، فإن تجاوب الإدارات مع طلبات المواطنين يعزّز الثقة بينها وبين المجتمع، بينما يؤدي التكتّم أو التهرّب إلى تقويض هذه الثقة وزعزعة صورة الإدارة العامة.

في لبنان، حيث ساد غياب الشفافية والمحسوبيات والصفقات المظلمة، يصبح الحق في الوصول إلى المعلومات أداة أساسية لكسر جدار التعتيم. هذا الحق ليس محصورًا بالصحافيين أو الجمعيات الرقابية، بل هو حق شخصي لكل مواطن يمكنه معرفة كيفية إدارة بلدته، إلى أين تذهب رسومه، ولماذا صُرفت أموال مشروع معين ولم يكتمل.

من الأمثلة الواقعية، يمكن للمواطنين مطالبة الإدارات بالكشف عن عقود شركات إدارة النفايات وكلفة الطن الواحد، بدل الاكتفاء بالشائعات. كذلك، يحق معرفة توزيع الإعلانات الرسمية والدعم الممنوح للمؤسسات الإعلامية، ومعرفة كيفية صرف المساعدات والهبات في المشاريع الإنمائية، وهل ذهبت فعليًا للمشاريع المعلنة أم إلى جيوب أخرى.

تجارب تونس والمغرب تؤكد أن وجود القانون وحده لا يكفي، لكن استخدامه يمكّن المجتمع المدني من تتبع العقود العامة وكشف الصفقات المشبوهة، ويحوّل الغضب الصامت إلى مساءلة علنية. فحق الوصول إلى المعلومات ليس مجرد مادة قانونية، بل فرصة لكل مواطن ليقول: “من حقي أن أعرف”، ولتتحول المعرفة إلى قوة، والشفافية إلى سلاح في مواجهة الفساد.

في النهاية، حق الوصول إلى المعلومات ليس مجرد مادة قانونية، بل سلاح حقيقي بيد المواطن الصامت. إنه أداة لكشف المستور، لكشف من يسرق المال العام، ويحوّل الغموض إلى فضائح، والصمت إلى مساءلة حقيقية. كل وثيقة يمكن أن تطلبها، كل تقرير يمكنك الاطلاع عليه، هو رصاصة في وجه الفساد، وكل طلب معلومة هو صرخة تقول: “لم تعد أسرار الدولة ملكًا للسلطة وحدها!”.

إذا لم يستخدم المواطن هذا الحق، يبقى الفساد يتنقل بحرية، ويستمر التعتيم، ويصبح النقد مجرد كلام في الفراغ. أما إذا تحرك، وإذا ضغط، وإذا طالب بما يحق له قانونًا، تتحوّل الإدارة إلى جهة مسؤولة، وتنكشف الحقائق، ويشعر كل فاسد أن أفعاله تحت المجهر. المعرفة هي القوة، والمعلومات هي السلاح، والشفافية هي المواجهة الحقيقية. لبنان بحاجة لكل مواطن يمارس هذا الحق، ليفضح الظلم، ويعيد للسلطة مكانتها الحقيقية: خدمة الشعب وليس العكس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock