سقوط القيم في وضح النهار: عندما يتحول حادث سير إلى ساحة بلطجة

بقلم: لبنى عويضة…
خاص: جريدة الرقيب الالكترونية
ما من أمر يثير الغضب أكثر من مشاهدة مدينة تنزع ثوب أخلاقياتها أمام أعين الجميع، لا بل أمام المتفرجين تحديدًا.
إذ ما كان ينقص الموجودين في شارع الجميزات في طرابلس منذ بضعة أيام سوى صحن “فشار” لمشاهدة مشهد من فيلم هوليوودي على أرصفة شوارعهم، حيث تهجم شاب أقل ما يوصف به أنه بلا إنسانية، ولا ضمير، متعديًا على الطبيب حسان ملاط، الذي لم يكن ذنبه سوى أن تسبب بحادث سير عرضي حيث اصطدم بسيارة الشاب وحاول حلّ المشكلة بالطرق السلمية، إلا ان الأخير انهال عليه بالضرب. هذا الحادث عكس مرآة قبيحة وأوضح مدى فقدان الاحترام ودرجة الجهل بحدود التصرف اللائق، خصوصًا تجاه رجل مسن وطبيب ذو مكانة.
لكن ما الذي حدث لهؤلاء الشباب؟ من علمهم أن الكرامة يمكن أن تُهان وتُصفع؟ من جعل من الضرب والتهديد وسيلة لحل الخلافات؟
إن التعدي الجسدي الذي يستبيحه البعض ليس شجاعة، بل سقوط أخلاقي وانحدار إنساني. ولعل الصدمة الأكبر كانت بأن جميع من شاهد الحادثة وقف متفرجًا ومكتوف الأيدي، ولم تحرك مشاهد الضرب والشتم شعور الشجاعة أو النخوة أو الرجولة لدى أحد لردع الشاب عن فعله. بل أخذ الجميع دور المتفرج -والكاميرات واضحة وموثقة لحادث الاعتداء بكل تفاصيله- ، وهنا لا ينهار الأمن فقط، بل تنهار القيم التربوية والإنسانية أيضًا.
يجدر القول أن هناك فئة من الاشخاص باتت تتصرف كعصابة تستعرض قوتها في الشارع، تهيمن على الأكبر سنًا، وتستمد جرأتها من غياب القانون والمحاسبة. لا أحد يراقب أو يحد من هذا الانحدار: لا الأسرة، ولا المؤسسات التربوية، ولا حتى المجتمع المدني أو الإعلام. بل صرنا نشاهد هذه المشاهد أو نسمع عنها بشكل شبه يومي، وأصبحت كالروتين.
المأساة الحقيقية ليست في العنف وحده، بل في شعور المعتدين بالنشوة والطمأنينة بعد أفعالهم، وكأن العدالة غائبة. لذا يمكن لأي شخص أن يكون ضحية الغد: صحافي، محامٍ، شيخ، أو حتى امرأة مسنّة. فأين الأمن؟ أين دور الدولة؟ المطلوب ليس فقط توقيف المعتدين، بل إعادة الكرامة لطرابلس وصون أهلها، وإعادة السيطرة على فيروس قانون الغاب المتفشي.
أما الذين يبررون هذا الانحدار باسم “طيش الشباب”، فالدفاع الحقيقي عن الشباب يكون عبر تعليمهم الاحترام وغرس القيم ومحاسبة كل من تسوّل له نفسه العبث بأمن الناس وكرامتهم. أما من لا قدرة له على ضبط أعصابه والتحكم بها، فليذهب إلى الغابة حيث يمكنه العيش هناك والتأقلم مع تلك الكائنات.
فلا مبرر للضرب مهما كان السبب، ولا مجال للتساهل مع من يهدد حياة الناس أو يستغل القوة لفرض جبروته.
وفي النهاية، ما لم تتحرك الدولة بشكل عاجل لتطبيق القانون ومحاسبة المعتدين، ستظل طرابلس مسرحًا للانفلات والفوضى، حيث يُهان الكبير ويُهدد الضعيف، ويستمر الانحدار الأخلاقي بلا رادع.
العدالة ليست خيارًا، بل واجب، والكرامة ليست امتيازًا، بل حق لكل إنسان. كل يوم يمر دون محاسبة هو يوم يزداد فيه اعتداء بعض الشباب على قيمنا ومجتمعنا. اذ لا مجال للتساهل، ولا مكان لمن يظن أن القوة تعني السيطرة، فالشارع ليس ساحة للتسلط، بل مكان للعيش المشترك، واحترام القانون والإنسانية يجب أن يعودا إليه.




