بيروت على خطّ النار الدبلوماسي: انفتاح عربي وضغط أميركي

بقلم: لبنى عويضة…
خاص: جريدة الرقيب الالكترونية
ما إن يطلّ شهر كانون الأول المقبل، حتى تلوح في الأفق بوادر فرصةٍ جديدة للبنان وبصيص أملٍ طال انتظاره.
فالعاصمة اللبنانية تستعيد تدريجياً حضورها على الساحة العربية، في وقتٍ تتزايد فيه ضغوط واشنطن خلال أدقّ مراحل التجدّد السياسي والاقتصادي والأمني.
ويبدو المشهد معقّداً، إذ تتقاطع فيه المبادرات الاقتصادية مع الرسائل الدبلوماسية والعسكرية في محاولة لتثبيت الهدوء، فيما يسير لبنان على حافة دقيقة بين الانفتاح العربي والتشدّد الغربي.
عودةٌ عربية تحمل رسائل متعدّدة
الحراك العربي نحو لبنان لا يمكن قراءته كزيارة بروتوكولية أو خطوة تضامنية عابرة.
من الأردن إلى مصر والسعودية، تتحرّك الدبلوماسية الإقليمية وكأنها تعيد رسم خريطة النفوذ في ضوء التحوّلات الجديدة في المنطقة.
وتبدو مصر تحديداً الأكثر حضوراً وواقعية، إذ تحمل إلى بيروت مقترحات سياسية وأمنية تراعي خصوصية الداخل اللبناني، وتسعى إلى صيغة تحفظ التوازن وتمنع الانزلاق نحو مواجهة واسعة.
لكنّ هذا الانفتاح لا يخلو من حسابات دقيقة؛ فالدور العربي، وإن حمل نية إنقاذ لبنان من عزلته، يبقى محكوماً بسقفٍ دولي لا يمكن تجاوزه. فأي مبادرة عربية تحتاج إلى توافقٍ ضمني مع واشنطن، وإلى حدٍّ أدنى من التفاهم الداخلي اللبناني، وهو ما لا يبدو متوفراً بعد بالصورة المطلوبة.
الرسائل الأميركية واضحة: لا استقرار من دون حصر السلاح بيد الدولة
تتعامل واشنطن مع الملف اللبناني من زاوية أمنية بحتة، متجاهلةً أنّ معادلة القوة في لبنان ليست عسكرية فقط، بل نتاج توازنات داخلية وإقليمية دقيقة.
فالحديث عن نزع السلاح لا يُختزل بخطوةٍ تقنية، بل يرتبط بمسارٍ سياسي طويل يتّصل بموقع لبنان الجيوسياسي، وبعلاقته مع طهران، وبالضمانات المطلوبة لتثبيت أي تسوية حقيقية.
إذ تسعى الولايات المتحدة لإعادة هندسة المشهد اللبناني بما يتلاءم مع مصالحها، لكنها لا تملك رؤية متكاملة للحل.
وتكتفي بسياسة الضغط القصوى التي قد تفتح الباب أمام تصعيدٍ ميداني، بدل أن تفرض استقراراً دائماً.
اقتصادٌ يسبق السياسة أم يوازيها؟
بالتوازي مع السجال الأمني، عاد الملف الاقتصادي إلى الواجهة كمنفذٍ محتمل لإنعاش الدولة وإنقاذها من شبح الانهيار الكامل.
الزيارات العربية والمشاريع المطروحة ليست مجرّد عناوين مالية، بل أدوات سياسية أيضاً.
فالاقتصاد يُستخدم اليوم كمدخلٍ للتهدئة، وكوسيلة لإعادة ربط لبنان بدائرة المصالح العربية والخليجية بعد سنواتٍ من القطيعة.
لكن يبقى السؤال: هل يمكن لهذا الحراك أن يتحوّل إلى إنقاذٍ فعلي؟
الجواب مرتبط بمدى استعداد لبنان لتأمين بيئة إصلاحية حقيقية تواكب الدعم العربي.
فمن دون إصلاحٍ مالي ومؤسسي جدي، ستبقى الوعود مجرّد مسكّناتٍ مؤقتة تُستخدم لكسب الوقت لا أكثر.
“الميكانيزم” كفكرةٍ انتقالية
في ظلّ الانسداد السياسي، برزت فكرة “الميكانيزم” كإطار تفاوضي محتمل، يتيح مشاركة مدنيين وعسكريين في لجنة مراقبة ووساطة.
هذه الصيغة تبدو مريحة لبيروت، إذ تمنحها مساحة للمناورة دون تجاوز الخطوط الحمراء، كما تحظى بقبولٍ حذر من واشنطن وبعض العواصم الأوروبية.
غير أن نجاحها يبقى مرهوناً بمدى استعداد إسرائيل للتجاوب، وهو ما لم يظهر بعد رغم الاتصالات الكثيفة عبر الوسطاء.
لبنان، بحسب مصادر رسمية، يريد أن يفاوض ليحصل على مكاسب حقيقية، لا أن يُمنح “حقّ التفاوض” كمنّةٍ سياسية.
المعادلة واضحة إذن: لا تسوية بلا مقابل، ولا تفاوض بلا سيادة.
السيناريوهات المحتملة
المرحلة المقبلة مفتوحة على أكثر من احتمال، قد ينجح الدور المصري والعربي في تثبيت هدنةٍ طويلة تمهّد لتسوية تدريجية، وقد تتكرّس معادلة “اللاحرب واللاسلم” بما تحمله من ضغوط اقتصادية وسياسية مستمرة.
أما الخيار الأسوأ، فهو أن تختزل كل هذه الجهود بمشهد تصعيدٍ محدود يعيد الأمور إلى نقطة الصفر.
في الخلاصة، لبنان اليوم أمام اختبارٍ مزدوج،
إمّا أن يُحسن استثمار اللحظة العربية ويحوّلها إلى فرصة لاستعادة التوازن الداخلي، وإمّا أن يضيع مجدداً بين حسابات الخارج وتناقضات الداخل.
الرهان الحقيقي لا يكمن في الوساطات ولا في التمويل، بل في قدرة اللبنانيين أنفسهم على صياغة موقفٍ وطنيّ واحد، يحمي سيادة الدولة من جهة، ويعيدها إلى قلب العالم العربي من جهةٍ أخرى.
فما يُراد للبنان اليوم هو أن يكون تابعاً في تسويات الآخرين، بينما المطلوب أن يكون شريكاً في صياغتها.




