راديو الرقيب
خاص الرقيبخاص سلايدرمقالات

“ميني” حرب أهلية بسبب الزينة: بيروت على حافة الانفجار الرمزي!

بقلم: لبنى عويضة…

خاص: جريدة الرقيب الالكترونية

ما حصل مع زينة عيد الميلاد في بيروت لم يكن نزاعًا حول جماليات الضوء، بل انفجارًا مكثفًا لصورة أو وهم مجتمع لا يزال قابعاً في ذاكرة الجروح القديمة. سنوات الحرب وتركة الصراعات التي حملتها النفوس، سواء لدى من عايشوا فترة النزاع أو لدى الأجيال اللاحقة، صنعت مجتمعًا مأزومًا، محمّلًا بتحيّزات مسجّنة في الأعماق يبحث دائمًا عن حجج لتنفيسها. الزينة هنا عبّرت بصراحة قاسية عن نفور جماعي من الاختلاف، وسمحت للطائفيين بتفريغ أفكارهم المريضة، وكشفت عن قدرة الرموز البسيطة على إعادة إنتاج العداء القديم تحت عباءة هجينة، فنية لكنها مسلحة بقدراتها الرمزية.

ظهر في النقاش منطق التحويل الرمزي، وتحديداً قدرة اللبناني على تحميل عنصر بصري عابر حمولةً أيديولوجية تتجاوز حجمه، وتحويله إلى “حجّة” لاستدعاء صراعات أقدم من الإضاءة نفسها. بهذا الشكل يصبح النقاش حول الزينة ليس جمالياً، بل منصة لتدوير الريبة الطائفية، ليس لأن الشكل يستدعي ذلك، بل لأن البنية الاجتماعية تطلب موضوعًا يُسقط عليه عجزها عن مواجهة أصل المشكلة.

ما كشفه الجدل أيضًا هو ترسّخ “ثقافة الاشتباه” أي الميل إلى قراءة كل ظاهرة من زاوية المؤامرة الثقافية، وكأن المجتمع يعيش في حالة تأهّب دائم، حيث أي تفصيل يُفهم بوصفه تهديدًا للهوية. النقاش لم يعد نقدًا جماليًا، بل تفريغًا لانفعالات لم تجد منفذًا آخر، عبر تحميل الرموز الصغيرة حمولة الخوف المتراكم.

الطريف والمؤلم أن كل هذا الجدل دار حول عمل فني مستورد، نفذته جهة تجارية، في مدينة غارقة في الانهيار الاقتصادي. لكن النقاش لم يفتح المجال لسؤال حقيقي عن غياب السياسة الثقافية أو فقدان المدينة لخيالها البصري المحلي، بل تحوّل إلى دفاع عن هويات لم تكن أصلًا موضع تهديد، وكأن المجتمع يفضّل معارك الوهم على مواجهة الفراغ الذي يعيشه.

يكشف المشهد أيضاً عن ظاهرة اجتماعية متكرّرة وهي تحوّل التفاصيل البصرية الصغيرة إلى منصات إسقاط جماعي. فالمجتمعات التي تعيش توترًا مزمنًا تفقد قدرة الفضاء العام على استقبال الرموز بوصفها عناصر جمالية، وتتفاعل معها كإشارات تهديد أو استفزاز. وما حدث ليس خلافًا جماليًا، بل تجلّيًا لنمط اجتماعي يُسمّى في السوسيولوجيا “فرط التأويل”، حيث يتم تحميل حدث عابر حمولة تتجاوز حجمه، لأن المجتمع يفتقد قنوات آمنة للتعبير. المدينة تتحوّل حينها إلى مسرح مكشوف للذاكرة الجريحة أكثر مما هي مساحة للاحتفال.

المعضلة ليست في الزينة نفسها، بل في هشاشة الفضاء العام الذي يجعل أي مشهد “قابلًا للانفجار الرمزي”. المقاربة الجماعية للجمال لم تعد حرة، بل مقيدة بترسّبات الخوف. والمجتمع الذي يخاف من أشكال الضوء، هو مجتمع فقد ثقته بنفسه قبل أن يفقد ثقته بمدينته.

المطلوب ليس تحسين الزينة، بل إعادة بناء الذائقة كفعل وعي، واستعادة القدرة على تقييم الأشياء وفق قيمتها الفنية لا وفق القلق الكامن تحتها. بيروت لا تحتاج إلى إضاءة أقوى، بل إلى مستوى أعلى من النضج يسمح لها أن ترى نفسها خارج حدود الطائفة، وخارج فخ تفسير كل اختلاف كتهديد وجودي.

بهذا المعنى، ما جرى ليس حدثًا بصريًا، بل اختبارًا اجتماعيًا فشلنا في اجتيازه، لأن الضوء الوحيد الذي اشتعل… هو الضوء الذي كشف هشاشتنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock