قانون الفجوة المالية: إصلاح مُعلَن… وانهيار مُنظَّم

بقلم: لبنى عويضة…
خاص: جريدة الرقيب الالكترونية
لا يستقيم المشهد السياسي في لبنان من دون أن تنخر الخلافات في جسد المؤسسات، ولو على حساب مصلحة المواطنين. وعلى مدى يومين متتاليين، تصدّر مشروع قانون الفجوة المالية واجهة النقاش العام، في وقتٍ يتبيّن فيه أن الخلاف حوله ليس تقنياً كما يُروَّج، بل سياسي بامتياز، يلامس السؤال المؤجَّل منذ انهيار عام 2019: من يتحمّل المسؤولية، ومن يُراد له أن يدفع الثمن؟
في جلسة استكمالية امتدت نحو تسع ساعات، وصف وزير الإعلام بول مرقص النقاشات بـ«الواسعة والغنية»، مشيراً إلى توجّه حكومي، بالتعاون مع مصرف لبنان، لتحديد مفهوم الفجوة المالية، مع التأكيد على ألا يقلّ تسديد الودائع عن 1500 دولار شهرياً. غير أن هذه الخلاصات، كما أُعلن صراحة، لا تزال عامة وغير نهائية، رهن الصياغة الدقيقة واستكمال البحث في المواد المتبقية.
المشكلة لا تكمن في طول النقاش ولا في توصيفه، بل في استمرار النهج نفسه، تطمينات لفظية من دون التزامات مالية صريحة. فالمشروع، حتى الآن، يفتقر إلى تحديد واضح للمدين الحقيقي، وإلى جدول زمني ملزم، وإلى أرقام مدققة لحجم الفجوة وكلفة معالجتها. وحتى الحديث عن حدّ أدنى للتسديد الشهري يبقى بلا قيمة فعلية ما لم يُربط بمصادر التمويل وقدرة الجهات المعنية على الالتزام.
أما النقاش «الصريح» الذي أشار إليه مرقص بين الحكومة وحاكمية مصرف لبنان حول المديونية، فيؤكد مجدداً أن جوهر الأزمة سياسي لا محاسبي. فالدولة، رغم اعترافها الضمني بدورها، لا تزال تتصرّف كطرف مراقب لا كمدين أساسي، فيما يُطلب من مصرف لبنان والمصارف والمودعين تقاسم الخسائر وفق معادلة غير متكافئة.
في المقابل، لم تأتِ الاعتراضات على المشروع من فراغ. المودعون يرفضون المساس بحقوقهم المكتسبة، النقابات المهنية تحذّر من شطب ودائعها، المصارف تعارض تحميلها العبء الأكبر، ومصرف لبنان يربط أي إمكانية للتطبيق بمساهمة واضحة من الدولة. وحدها الدولة تحاول العبور بين الجميع من دون التزام مالي صريح، وكأنها طرف محايد لا شريك أساسي في صنع الانهيار.
ما يزيد الشكوك هو التسرّع في طرح القانون والضغوط لإقراره قبل نهاية العام. فبدل أن يشكّل مدخلاً للمحاسبة وإعادة بناء الثقة، يبدو أقرب إلى محاولة لتنظيم الانهيار وتوزيع الخسائر بطريقة تُبقي المسؤولين خارج دائرة المساءلة، تحت عنوان الإصلاح.
القانون، بصيغته الحالية، ليس شيطانياً، لكنه أيضاً ليس عادلاً ولا قابلاً للتطبيق. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ بسندات غامضة ولا بشعارات إنصاف، بل باعتراف صريح بالمسؤوليات، وتوزيع واضح وملزم للخسائر بين الدولة والمصارف ومصرف لبنان. ومن دون ذلك، يبقى مشروع الفجوة المالية مجرّد تشريع يؤجّل الانفجار… ولا يمنعه.




