راديو الرقيب
خاص الرقيبخاص سلايدرمقالات

أرباح تحت الطاولة وصرخات فوق المنابر… عندما يتحول شريان البلاد لورقة ضغط

بقلم: لبنى عويضة…

خاص: جريدة الرقيب الإلكترونية

لم تمحُ الذاكرة الجماعية للبنانيين بعد مشاهد الطوابير المتكدّسة أمام محطات الوقود، حتى عاد شبحها يطلّ من جديد، لكن بسيناريو مختلف. فهذه المرّة، لا يعود السبب إلى شحّ المحروقات أو انهيار سلاسل التوريد، بل إلى تهديدات صريحة أطلقها أصحاب محطات الوقود بالإضراب والإقفال، احتجاجاً على ما يصفونه بتراجع أرباحهم، في محاولة واضحة لفرض ضغط مباشر على الدولة والمجتمع معاً.

هذا التلويح لا يمكن فصله عن مرحلة حاولت فيها الدولة ضبط الفوضى التي حكمت سوق المحروقات خلال السنوات الماضية، حين تحوّلت الطوابير إلى مشهد يومي، وترافق ذلك مع تخزين عشوائي وخطير للمحروقات في المنازل والمحال والخزانات، بعضها انفجر وخلّف ضحايا لم ينالوا عدالتهم حتى اليوم. يومها، لم تكن الفوضى قدراً، بل نتيجة منظومة منفلتة، استفاد منها كثر تحت غطاء “الأزمة”.

في هذا السياق، لا يمكن تجاهل أن عدداً من المحطات غير المطابقة للمواصفات أو غير المرخّصة حاول التحايل على الدولة، قبل أن تُمنح مهلاً متكررة لتسوية أوضاعها القانونية. ورغم ذلك، يُعاد اليوم إنتاج خطاب المظلومية نفسه، وكأن الالتزام بالقانون بات عبئاً، لا واجباً.

في المقابل، تُظهر الوقائع أن تسعير المحروقات لا يتم بصورة عشوائية، بل وفق معادلة واضحة تصدر عن وزارة الطاقة، ويشارك في صياغتها ممثلو القطاع أنفسهم. والأهم أن جداول الأسعار تعتمد سعراً للدولار يفوق السعر الفعلي المعمول به في السوق، ما يؤمّن أرباحاً إضافية غير معلنة تُحمَّل مباشرة على كاهل المستهلك.

وعند مقارنة الأسعار المحلية بالأسعار العالمية، تتضح الفجوة أكثر. فسعر برميل النفط عالمياً لا يبرّر بأي معيار اقتصادي وصول سعر الليتر في لبنان إلى مستويات تفوق كلفته الفعلية بنحو 50 في المئة، حتى بعد احتساب النقل والتأمين والرسوم. وهو هامش مرتفع يصعب التوفيق بينه وبين خطاب الخسائر والانهيار.

من هنا، خرج نقيب أصحاب محطات المحروقات جورج البراكس بخطاب تصعيدي، متحدثاً عن “حافة الهاوية” و”اللحم الحي”، مقدّماً القطاع كضحية للسياسات الاقتصادية. غير أن مراجعة الوقائع وآليات التسعير المعتمدة تكشف فجوة واضحة بين هذا الخطاب والواقع الفعلي للقطاع، الذي لا يعمل وفق أسعار الصرف المتداولة، بل يستفيد من تسهيلات في الاستيراد والتسعير توفّر هوامش ربح إضافية للمستوردين والموزعين.

أما الحديث عن الأعباء التشغيلية ورفع الحد الأدنى للأجور والرسوم، فهو وإن كان واقعاً تعيشه مختلف القطاعات، إلا أن تحويله إلى ذريعة للتهديد بالإضراب أو الإقفال يطرح إشكالية خطيرة. فربط المطالب المهنية بخيارات تصعيدية تمسّ مباشرة حياة المواطنين، عبر التلويح بإعادة مشهد الطوابير والشلل، لا يُعد دفاعاً مشروعاً عن الحقوق، بل شكلاً من أشكال الضغط والابتزاز الاجتماعي.

فكيف يمكن الحديث عن “الإنهاك” في ظل هذا الواقع السوداوي؟

في الخلاصة، لا أحد يطالب أصحاب المحطات بالعمل الخيري، لكن تسويق القطاع على أنه الضحية الأكبر لم يعد مقنعاً. وليس من المنطق أن يُعاد اللبنانيون إلى الطوابير، وأن تُستعاد منطقية الكارتيلات، لإشباع شهية أرباح لم تكفها كل العائدات التي جُنيت منذ بداية الأزمة حتى اليوم.
فالضحية الأولى والأخيرة تبقى المواطن، الذي يدفع ثمن المحروقات بالدولار، ويتحمّل كامل كلفة الانهيار، ولم يعد قادراً على ابتلاع خطاب مظلومية يكلّله النفاق وتناقض الأرقام مع الواقع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock