دولة الجباية تعاقب الفقراء: عندما يصبح الالتزام بالقانون رفاهية

بقلم: لبنى عويضة…
خاص: جريدة الرقيب الالكترونية
تتصدر الحملات الأمنية المشهد اللبناني الراهن تحت مسميات براقة، أبرزها استعادة هيبة الدولة وتكريس سيادة القانون، ويتجسد الأمر في مشاهد الحواجز المكثفة، تلال المحاضر، واكتظاظ المحاجز بالسيارات والدراجات النارية المخالفة والمصادرة. لكن خلف هذه القشرة التنظيمية ينبثق السؤال الوجودي والأخلاقي: أي قانون هذا الذي يراد تطبيقه على مجتمع جُرّد بنيويًا من أدوات الالتزام به؟
في واقع لبناني تتآكل فيه القوة الشرائية للأجور حتى بلغت حد العدم، يعيش جزء كبير من المواطنين على فتات يومية لا تتجاوز 10 دولارات. هنا، لم تعد الكلفة القانونية مجرد إجراء إداري، بل تحولت إلى عتبة طبقية تُقصي الفقراء حكماً. حين تطلب الدولة من مواطن يتقاضى 300 دولار شهريًا (الحد الأدنى للأجور في لبنان حوالي 320 دولارًا) أن يسدد ما يتراوح بين 500 و2000 دولار لتسجيل مركبة، أو حوالي 400 دولار للحصول على رخصة سوق، فهي لا تطلب منه الالتزام بالقانون فحسب، بل تطلب المستحيل. تصبح مجموعة الأعباء القانونية لتسيير الحد الأدنى من شروط الحياة جزية قسرية تفوق الدخل السنوي لشرائح واسعة، ما يخلق هوة سحيقة بين النص القانوني والواقع المعيشي.
في هذا السياق، ينقلب المنطق: القانون، الذي يُفترض أن يكون عقدًا اجتماعيًا يضمن الحماية مقابل الالتزام، يصبح أداة فرز اجتماعي. فالدولة اللبنانية، التي تحللت من مسؤولياتها الرعائية، وحطمت شبكات الأمان الاجتماعي، ظهرت فجأة بصفتها محصلًا للرسوم وموزعًا للعقوبات، تاركة الساحات لمن لا يلتزم بالقانون الحقيقي، بينما تُعاقب الفئات الأكثر هشاشة. هنا، تُعامل المخالفة لا كفعل تمرد، بل كآلية دفاعية واستراتيجية بقاء بيولوجية.
في هذا المناخ، يفقد المفهوم الأخلاقي للمخالفة معناه التقليدي. المواطن لا يخرق القانون رغبةً في الفوضى، بل لأنه يجد نفسه أمام مقايضة مستحيلة: الجوع أو اللامشروعية. إنها حالة من الاغتراب القانوني، حيث يشعر الفرد أن الدولة تضع له أفخاخًا مالية تحت مسمى القانون، محولة العلاقة مع السلطة إلى علاقة مطارد وطريدة.
هنا تأتي الموازنة العامة لعام 2026 لتضع الختم الرسمي على الانهيار الأخلاقي. رفع الضرائب تم دون اعتماد الضريبة التصاعدية، وأغفل أي تصحيح للأجور أو توفير نقل عام بديل، كاشفًا الوجه الحقيقي للسلطة كمحاسب مالي يبحث عن سد عجز الميزانية من جيوب الفئات الأكثر هشاشة. الموازنة لا تعامل الناس كمواطنين، بل كوحدات دفع متجانسة، متجاهلة التفاوت الكارثي في المداخيل، فتصبح وثيقة رسمية لترسيخ اللامساواة.
ولم تتوقف “الأسوار المالية” عند حدود تسجيل المركبات، بل امتدت لتطال أدقّ مفاصل البيروقراطية اليومية؛ فحتى مكاتب كُتّاب العدل، التي يُفترض أن تكون الملاذ القانوني لتوثيق الحقوق وحمايتها، استسلمت لسطوة “الدولرة” والرسوم التصاعدية. لقد تحوّل توثيق عقد بيعٍ بسيط أو صياغة توكيلٍ ما، من إجراءٍ تنظيمي بديهي إلى عبءٍ مادي يستنزف ما تبقى من سيولة في جيوب المواطنين.
هذا الارتفاع الجنوني في كلفة “الشرعية الإجرائية” خلق فجوةً مشوهة؛ حيث أصبحت حماية الحقوق وتثبيتها قانونياً نوعاً من “الرفاهية الاقتصادية” المحصورة بالمقتدرين. أما محدودو الدخل، فقد وجدوا أنفسهم مضطرين للمجازفة بعقودٍ شفهية أو أوراقٍ عرفية غير موثقة، ليس استهتاراً بحقوقهم، بل لأنّ “ثمن القانون” في لبنان بات أغلى من قيمة الحقّ نفسه.
ولعل تحويل المعاملات الرسمية إلى سلعة خاضعة لتقلبات السوق هو اغتيالٌ صامت لمبدأ المساواة أمام القانون، وتكريسٌ لواقعٍ حيثُ يُحرم الفقير حتى من حقّه في التوثيق.
هذا الواقع يأخذنا إلى أزمة “التوك توك” والدراجات النارية، التي تشبه أعراض مرض سببه غياب البدائل. فمعظم هذه الوسائل يقودها فقراء بلا أوراق ولا تراخيص، لتصبح شريان حياة وحيدًا في بلد انهار فيه كل وسائل النقل العام. المشهد ليس مجرد تهور أو فوضى مرورية، بل انعكاسًا مباشرًا لعجز الدولة عن تكييف تشريعاتها مع واقع شعبها. الحملات الأمنية تعالج العرض (الفوضى) وتتجاهل المرض (الفقر الهيكلي والرسوم التعجيزية)، والدولة التي لا توفر لمواطنيها سبل الالتزام لا تملك الحق الأخلاقي في معاقبتهم على العجز.
أخيرًا، لا يُنكر أن الرسوم والضرائب جزء من واجبات المواطن في كل دولة، لكن على السلطة مراعاة الفئات المتهالكة التي ينهشها الفقر. فالمشكلة اليوم ليست أزمة التزام، بل أزمة شرعية تطبيقية. القانون الذي صُمّم في أبراج عاجية وتجاهل أنين المعيشة، يتحول إلى إكراه قانوني بلا روح. دولة تطبّق القوانين بمطرقة العقوبة وتتجاهل ميزان العدالة الاجتماعية، لا تبني نظامًا، بل تشيد هشاشة مقنّعة وتزرع بذور انفجار اجتماعي قادم، حيث لن تجدي محاضر الضبط ولا الحملات الأمنية نفعًا.




