ماذا لو عاد حمورابي؟

بقلم: لبنى عويضة…
خاص: جريدة الرقيب الالكترونية
لم يكن حمورابي، الملك الذي حكم بابل قبل نحو أربعة آلاف عام، مجرد حاكمٍ عابر في التاريخ، بل كان أحد أوائل من حاولوا تحويل العدالة من مفهوم شفهي تتناقله الألسن إلى قانون مكتوب يعرفه الجميع ويخضع له الجميع.
لقد أدرك هذا الملك مبكرًا أن العدالة إذا بقيت مجرد أعراف تُنقل بالكلام، فقد تتحول مع مرور الزمن إلى امتياز بيد من يملك السلطة أو النفوذ أو القدرة على تفسيرها. لذلك اختار أن ينقشها على الحجر، لا لتكون أداة بيد الحاكم، بل لتصبح قاعدة معلنة يعرفها الناس ويُحاسَب الجميع على أساسها.
وعلى الرغم من الصورة الشائعة عن قسوة شريعته، فإن جوهر مشروعه كان تثبيت القانون وتوحيده، ووضع حد لفكرة أن تكون العدالة رهينة إرادة من يجلس على العرش.
لكن تخيلوا للحظة أن حمورابي فتح عينيه اليوم، لا في بابل القديمة، بل في بيروت. ربما لن يبحث عن قصوره المفقودة تحت الركام، ولا عن ألواحه المحفوظة في متاحف العالم، بل سيتوقف طويلًا أمام مشهد قد يكون الأكثر إرباكًا له: دولة تمتلك من القوانين ما يكفي لعشرات الممالك، لكنها ما زالت تكافح لجعل القانون هيكلًا يُحترم ويُطبَّق.
ففي لبنان اليوم، لا تكمن المشكلة في غياب النصوص أو العقوبات أو المؤسسات القضائية، بل في المسافة بين وجود القانون وتطبيقه. فالعدالة، كما فهمها حمورابي قبل آلاف السنين، لا تُقاس بعدد القوانين المكتوبة، بل بسرعة الوصول إلى الحكم، وبالمساواة أمام النص، وبثقة المواطن بأن حقه لن يضيع في أدراج المكاتب أو دهاليز التأجيل.
قد يقف حمورابي أمام محاكمات تمتد سنوات دون حسم، وسجون تواجه تحديات كبيرة تجعل من إعادة التأهيل هدفًا صعب التحقيق أكثر منه سياسة فعلية. وربما لن يكون سؤاله الأول عن قسوة العقوبة، بل عن غياب أثرها، فهل ما زال الخوف من القانون أقوى من شعور البعض بإمكان الإفلات منه؟
لكن الحل لا يكمن في العودة إلى منطق “العين بالعين”، فالعدالة الحديثة تجاوزت فكرة العقوبة بوصفها انتقامًا، وأصبحت تقوم على حماية المجتمع، وإنصاف الضحايا، وإعطاء فرصة لإصلاح من يمكن إصلاحه. غير أن هذه المبادئ تفقد معناها عندما يصبح تطبيق القانون بطيئًا أو انتقائيًا، أو عندما يشعر الناس بأن العقوبة قد تأتي بعد فوات الأوان.
فالمشكلة ليست في السجون وحدها، بل في المنظومة كاملة، من لحظة وقوع الجريمة إلى لحظة صدور الحكم. اذ ان السجن الذي يفتقر إلى برامج تأهيل حقيقية قد يتحول إلى مكان يعيد إنتاج الجريمة بدل الحد منها، والعقوبة التي تتأخر سنوات تفقد جزءًا كبيرًا من قدرتها على الردع مهما كانت قاسية على الورق.
أما عقوبة الإعدام، فقد أصبحت اليوم موضع رفض واسع في العالم باعتبارها انتهاكًا للحق في الحياة، وألغتها دول كثيرة. لكن في ظل واقع لبناني تتراجع فيه هيبة القانون وتضعف فيه أدوات الردع، يرى البعض أن تنفيذها في جرائم استثنائية بالغة الخطورة قد يكون ضروريًا لحماية المجتمع. في المقابل، يبقى إصلاح القضاء وضمان سرعة المحاكمات وعدالتها الأساس لأي نقاش حول العقوبات، لأن العدالة لا تُقاس بقسوة الحكم، بل بقدرة الدولة على تطبيقه بعدل.
ولو أتيح لحمورابي أن يكتب شريعته من جديد، على أرض لبنانية هذه المرة، فربما لن ينقش عقوبات أشد قسوة، بل جملة واحدة بسيطة وعميقة: لا قيمة لقانون لا يُطبَّق بالعدالة نفسها والسرعة نفسها على الجميع.
فالردع الحقيقي لا يولد من قسوة النص، بل من يقين الناس بأن القانون سيُنفَّذ لا محالة. وهيبة الدولة لا تُبنى بتكديس القوانين، بل بثقة المواطن بأن القانون فوق الجميع، وأن العدالة ليست وعدًا مؤجلًا إلى ما لا نهاية، بل حقًا حاضرًا يمكن أن يلمسه.
وربما، لو عاد حمورابي فعلًا ووقف بيننا، لترك ألواحه الحجرية جانبًا وقال جملة واحدة تختصر الحكاية: “لم تعد البشرية بحاجة إلى قوانين أكثر، بل إلى إرادة تجعل القانون حيًا، لا مجرد نص محفوظ خلف زجاج المتاحف.”




