أين تركيا اليوم في الشرق الأوسط وماذا تريد وكيف تتحرك؟

حضَر رئيس تيار الكرامة النائب فيصل كرامي الندوة السياسية والثقافية التي عُقدت في بيروت حول الدور التركي المتصاعد في الشرق الأوسط، والعلاقات اللبنانية – التركية وآفاقها في المرحلة المقبلة، وسط حضور سياسي وإعلامي وأكاديمي واسع.
وأقيمت الندوة في قاعة L’Étoile du Bristol في فردان، بمشاركة الباحثين في الشؤون التركية والشرق أوسطية جو حمّورة، حمزة تكين وصهيب جوهر، وأدارتها رنا المصري، بحضور عدد من المسؤولين والبرلمانيين ورجال الدين والصحافيين والإعلاميين والمستشارين السياسيين، إلى جانب ممثل عن السفير التركي في لبنان.
وشكّل حضور فيصل كرامي مناسبة لبحث موقع لبنان في التحولات الإقليمية المتسارعة، ولا سيما مع تنامي الدور التركي وتبدّل موازين القوى في المنطقة، في وقت تتجه فيه أنقرة إلى توسيع حضورها السياسي والأمني والاقتصادي في الشرق الأوسط.
وتناولت الندوة طبيعة التحرك التركي في المنطقة، خصوصاً بعد التحولات التي شهدتها سوريا، وانعكاسها المباشر على لبنان، إضافة إلى مستقبل العلاقات اللبنانية – التركية وإمكانات التعاون بين البلدين في ملفات الأمن والاقتصاد والإعمار والتجارة والنقل.
وفي هذا السياق، رأى الباحث جو حمّورة أن تركيا باتت أمام فرصة لملء جزء من الفراغ الاستراتيجي الذي خلّفه تراجع الدور الإيراني في المنطقة، مشيراً إلى أن التحولات في سوريا جعلت الأمن القومي التركي أكثر ارتباطاً بما يجري في حلب ودمشق وبيروت.
وأشار حمّورة إلى أن الدور التركي في لبنان لا يزال أقل حضوراً من أدوار إقليمية أخرى، لكنه يختلف عنها في اعتماده بصورة أساسية على مؤسسات الدولة اللبنانية، من الجيش والمؤسسات الرسمية إلى القطاعات الطبية والثقافية والتعليمية والتنموية.
واعتبر أن لبنان أمام فرصة للاستفادة من الانفتاح التركي، في ظل استعداد أنقرة لتقديم الدعم للبنان من دون السعي إلى فرض نموذج من السيطرة أو الهيمنة عليه.
من جهته، اعتبر الصحافي والكاتب حمزة تكين أن تركيا لم تعد تتعامل مع أزمات المنطقة باعتبارها أزمات ينبغي احتواؤها فقط، بل تسعى إلى أن تكون طرفاً في صياغة النظام الإقليمي الجديد، رافضاً اختزال السياسة التركية بمفهوم “العثمانية الجديدة”.
وحدّد تكين مجموعة من المصالح والأهداف التركية، أبرزها منع تشكل بيئة أمنية معادية لتركيا، والحؤول دون إعادة رسم الشرق الأوسط بالقوة، وتعزيز دور أنقرة كوسيط قادر على التواصل مع مختلف القوى الدولية والإقليمية، إلى جانب بناء توازنات إقليمية جديدة.
وفي ما يتعلق بلبنان، قال تكين إن بيروت تكتسب أهمية متزايدة بالنسبة إلى أنقرة مع تغير خريطة المنطقة، مشدداً على أن تركيا تريد “لبنان مستقراً لا لبنان تابعاً”، وأن دعم الدولة اللبنانية والجيش يمثل محوراً أساسياً في المقاربة التركية.
ورأى أن دعم الجيش اللبناني لا يندرج في إطار المساعدات فحسب، بل يرتبط برؤية تركية للاستقرار الإقليمي، في ظل مخاطر الفوضى الأمنية والتدخلات الخارجية واتساع رقعة الصراع في المنطقة.
كما عرض تكين خلال الندوة نماذج من الصناعات الدفاعية التركية، بينها المقاتلة «قاآن» والصاروخ البحري «أتمجا»، معتبراً أن تطور القدرات العسكرية التركية انعكس على هامش القرار السياسي لأنقرة، وأتاح لها قدراً أكبر من الاستقلالية في سياستها الخارجية.
بدوره، رأى الباحث السياسي صهيب جوهر أن لبنان لم يكن تاريخياً ضمن دوائر الأولوية الأولى في السياسة الخارجية التركية، مقارنة بسوريا والعراق وليبيا، إلا أن التحولات التي شهدتها المنطقة، ولا سيما في سوريا، جعلت لبنان أكثر ارتباطاً بالمصالح التركية المباشرة.
وأشار إلى أن علاقة تركيا بدمشق الجديدة تجعلها طرفاً مؤثراً في ملفات لبنانية – سورية عدة، من الحدود والمعابر إلى الأمن والنقل والتجارة، لافتاً إلى إمكان تطوير دور تركي في إعادة وصل لبنان بشبكات التجارة والنقل الإقليمية، خصوصاً عبر سوريا ومرفأي طرابلس وبيروت.
وأكد جوهر أن الاهتمام التركي بلبنان لا يقتصر على الجانب الأمني، بل يمتد إلى الاقتصاد والإعمار والطاقة والنقل، معتبراً أن التحدي أمام بيروت يتمثل في الاستفادة من الدور التركي من دون الانخراط في اصطفافات إقليمية جديدة.
ورجّح أن يكون الدور التركي في لبنان «تكاملياً» عبر مؤسسات الدولة، ولا سيما الجيش والأجهزة الأمنية والاقتصاد، وبالتنسيق مع السعودية وقطر والدول الغربية، لا باعتباره بديلاً عن المظلة العربية والدولية.
وتخللت الندوة نقاشات بين المشاركين والحضور حول مستقبل الدور التركي في المنطقة وانعكاساته على لبنان، قبل أن تختتم بتوقيع حمزة تكين كتابه الجديد «على حافة العالم.. رحلة صحفي في دروب العمل الإنساني».
ويأتي حضور فيصل كرامي في هذا النقاش في وقت تتزايد فيه أهمية البحث عن موقع لبنان في التحولات الإقليمية الجديدة، وسط تصاعد أدوار القوى الإقليمية والدولية، وتحديداً تركيا، في رسم ملامح المرحلة المقبلة.






