راديو الرقيب
خاص الرقيبخاص سلايدرمقالات

لبنان في الطوارئ… من دون إعلان

بقلم: الصحافية لبنى عويضة…

خاص: جريدة الرقيب الالكترونية

عند محطة الوقود، يقف اللبناني أمام العدّاد كمن يشاهد ثمن يومه يرتفع رقماً بعد رقم. لا حاجة هنا إلى بيان رسمي. يكفي أن تملأ الخزان، أو تدفع فاتورة السوبرماركت، أو تحسب كلفة الطريق إلى عملك، لتفهم أن ما نعيشه لم يعد أزمة تنتظر حلاً، بل صار طريقة عيش.


لم تعد المسألة سلعة غلا سعرها، ولا ظرفاً عابراً. فالكلفة كلها تركض في اتجاه واحد، والمداخيل تلهث خلفها. يغلو الوقود فيغلو النقل، ثم الإنتاج، ثم الرفّ في المتجر. تتراجع القدرة الشرائية، فتصل الأسرة آخر الشهر إلى حساب أضيق من سابقه. لذلك لم يكن غريباً أن تبدأ المطالبات بإجراءات استثنائية. هذا الطلب المحق في ظاهره، لكنه يفتح سؤالاً أكبر: هل بلغنا نقطة لم تعد تنفع فيها الحلول المعتادة، او لنقل الترقيعية التي دوماً ما تلجأ اليها السلطة؟


نحن فعلاً لم نخرج من الأزمة منذ سنوات. مالية فمصرفية فنقدية، ثم الأسعار، ثم الأجور التي فقدت قيمتها، ثم الكهرباء والخدمات، وفي كل مرة نعود إلى قاع أهشّ من الذي قبله. صار الاستثناء قاعدة، ولم يبق للصدمة مكان.
اما أخطر ما في الأزمات الطويلة هي ان “نتعوّد عليها”. نغضب في البداية، ثم نتكيّف. يعيد الموظف حساباته، وتبدّل الأم سلّة مشترياتها، ويلغي أحدهم كل ما يمكنه الاستغناء عنه. شاب يؤجل مشروعه، ومؤسسة تصرف موظفاً، وعامل يبحث عن عمل ثانٍ، ومتقاعد يعيد ترتيب ما بقي من أولوياته. لا ينهار البلد دفعة واحدة، بل يتنازل عن حياته قطعة قطعة، حتى يصبح همّنا الأكبر ألّا نسقط، لا أن نعيش أفضل.


في هذا السياق يبدو رفع الأجور، على ضرورته، نصف حل. فحين ترتفع كلفة الطاقة والنقل والإنتاج معاً، تتسرب الزيادة إلى الأسعار من جديد، ويصبح التصحيح مطاردة لسوق لا يتوقف. ما يهمّ ليس الرقم على قسيمة الراتب، بل ما يشتريه هذا الرقم، ولا يمكن فصل الأجور عن التضخم والإنتاج وسوق العمل.


والثمن لا يدفعه العامل وحده. اذ ان صاحب المؤسسة الصغيرة والتاجر والمزارع وأصحاب المهن الحرة يتلقّون الضربة نفسها، ولا أحد منهم يستطيع امتصاص الكلفة إلى ما لا نهاية. ترتفع الأسعار فيقلّ الطلب، فينخفض الإنتاج، فتضيق فرص العمل، وندور في الحلقة ذاتها. ومن هنا لا تكفي مراقبة الأسعار لحماية المواطن، ولا يحمي المؤسسات أن نترك السوق على غاربه. المطلوب اقتصاد ينتج، لا اقتصاد يدير خسائره.


أما بالنسبة لـ “الطوارئ الاقتصادية”، فالعنوان لا يهم بقدر ما يهم ما يأتي بعده: ما الأولوية؟ من يُحاسَب؟ خلال كم من الوقت؟ والأهم، بأي مال وبأي أدوات؟ فالاقتصاد لا يصغي إلى الأمنيات، وإعلان بلا خطة قد لا يكون أكثر من اسم جديد لأزمة قديمة.
الإعلان سهل. الصعب أن نبني سياسة تمنع الطوارئ من أن تصير نهجاً في الحكم: علاقة عادلة بين الأجور والأسعار، وحماية للقطاعات المنتجة، ومعالجة لكلفة الطاقة والنقل، وبيئة تتيح للمؤسسات أن تعيش وتتوسع، وإصلاح مالي ومصرفي يرمّم الثقة شيئاً فشيئاً، ودولة تنفّذ ما تقرره ولا تكتفي بإصداره.


اللبناني يعرف أنه في أزمة، ويعرفها أكثر مما تعرفها التقارير. نحن نعيش طوارئ اقتصادية حقيقية من دون أن نعلنها، وهذه أقسى مفارقاتها. ما ينقصنا ليس اسماً جديداً للأزمة، بل سياسة تمنعها من أن تصير مستقبلنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock