راديو الرقيب
خاص الرقيبخاص سلايدرمقالات

نسيم الخوري… نظيف الكفّ وصادق الكلمة وفي الوفاء مدرسة

خاص الرقيب

بعض الرجال، حين يرحلون، يتركون وراءهم سيرةً تستحق التقدير، ووجعاً يصعب اختصاره بالكلمات. ونسيم الخوري من هؤلاء.

رجل اجتمعت فيه المعرفة والاستقامة، ورافقته نظافة الكفّ وصدق الكلمة ومحبة الناس، فصار حضوره أكبر من المناصب التي تولاها، وأبقى من الألقاب التي حملها.

نودّع فيه الأستاذ والكاتب والإعلامي والأخ والصديق، ونودّع أيضاً إنساناً حافظ على صفاء قلبه وعلى وفائه، ووطنياً حمل همّ لبنان في فكره وعمله، وآمن بأن خدمة البلد تبدأ من ضمير صاحبه، ومن قدرته على أن يبقى أميناً لما يقول وما يفعل.

امتدت مسيرته بين الجامعة والصحافة والبحث والإعلام العام. بدأ التدريس في كلية الإعلام في الجامعة اللبنانية عام 1982، وتولّى إدارة فرعها الثاني بالتكليف عام 1985، ثم بين عامي 1993 و1997. وأشرف على أطروحات الدكتوراه وناقشها في المعهد العالي للدكتوراه، وشارك في هيئة التنسيق لقبول طلاب الدكتوراه في اختصاص الإعلام. كما حاضر في دورات التوجيه والإعلام لضباط الجيش اللبناني في كلية فؤاد شهاب للقيادة والأركان.

وفي تلفزيون لبنان، تولّى منصب المدير العام المنتدب لشؤون البرامج والإنتاج بين عامي 1990 و1992. وسبق له أن أدار مركز الأبحاث والدراسات في منشورات العالم العربي في باريس، وعمل في الصحافة والعلاقات العامة بين بيروت وباريس. ترك كتباً وأبحاثاً في الإعلام والأدب والسياسة، ونال وسام الأرز الوطني من رتبة ضابط عام 2007.

كانت هذه المسؤوليات وجوهاً متعددة لرجل عرف قيمة المعرفة، وأراد لها أن تصل إلى الناس. ففي الجامعة أسهم في تكوين أجيال، وفي الإعلام حمل مسؤولية الكلمة، وفي البحث ظلّ يفتح أبواب السؤال والحوار.

لكن ما يمنح هذه المسيرة معناها الأعمق هو الإنسان الذي حملها. كانت نظافة كفّه عنواناً للاستقامة، وكان صدقه أساس الثقة به. فالإنسان النزيه يصون قناعته كما يصون أمانته، ويحفظ للناس كرامتهم كما يحفظ لنفسه احترامها. وهذه القيم هي ما نحتاج إلى استحضاره اليوم، كي يعرف من يأتي بعدنا أن النجاح يمكن أن يقترن بالشرف، وأن المعرفة تزداد قيمة حين يحملها ضمير حيّ.

وفي علاقته بالرئيس عمر كرامي، صفحة عزيزة من الوفاء والذاكرة الوطنية. فقد عاصر معه مرحلة ما بعد الطائف، وظلّ يستذكرها بتقدير، حاملاً للرئيس الراحل احتراماً لم تمحه السنوات. وفي ذلك ما يشبه نسيم نفسه، الوفاء لمن عرفهم، وإنصاف تجاربهم، وحفظ الودّ بعد انقضاء المواقع وتبدّل الظروف.

جمعته بالرئيس عمر كرامي معاني الاستقامة والصدق ومحبة الوطن. وكانت علاقته به جزءاً من صلته بنهج يرى في العمل العام مسؤولية، وفي الدولة مرجعاً، وفي كرامة الناس غاية تستحق التعب من أجلها.

وامتدّ هذا الوفاء إلى النائب فيصل كرامي، الذي ربطته به علاقة تقدير وثقة. وقد عبّر نسيم عن هذه الثقة بوضوح خلال تكريم فيصل كرامي في منزل الاستاذ خالد الداعوق في بيروت، حين استعاد مرحلة ما بعد الطائف التي عاصرها مع الرئيسين عمر كرامي وسليم الحص، وأعرب عن تطلّعه وثقته في أن يعيد فيصل كرامي للبنان استقراره وعزّه.

كانت تلك الشهادة تعبيراً عن أمل يضعه رجل صاحب تجربة في استمرار نهج آمن به. ومن عمر إلى فيصل، بقي نسيم وفياً للقيم التي احترمها، حريصاً على أن يجد لبنان في حاضره ما يستحق أن يُصان من تجارب رجاله… النزاهة، والاعتدال، والمسؤولية، والتمسّك بالدولة وبوحدة أبنائها.

وفي هذا الوفاء تظهر محبته أيضاً. فالمحبة تبقى في الذاكرة بما تمنحه من طمأنينة، وبما تحفظه من صلات، وبقدرتها على أن تجعل الإنسان حاضراً في حياة الآخرين حتى بعد رحيله. سيذكره طلابه بما أعطاهم من علم، وزملاؤه بما جمعهم به من عمل وحوار، وأحبّاؤه بتفاصيل صغيرة تصبح عند الفقد أثمن من كل الألقاب.

أما وطنيته، فقد وجدت تعبيرها في مسيرته وفي أثره. خدم لبنان بما عرف، وبما علّم، وبما كتب، وبما صان من قيم. والوطن الذي أنهكته الأزمات يحتاج إلى أن يحفظ سِيَر هؤلاء، لأن في تذكّرهم ما يعيد الاعتبار إلى النزاهة، وما يمنح الأجيال أسباباً للثقة بإمكان بناء مستقبل أفضل.

رحم الله نسيم الخوري، وألهم عائلته ومحبّيه الصبر.

نودّعه بحزن وامتنان. للمعرفة التي تركها، وللمحبة التي زرعها، وللوفاء الذي حفظه للرئيس عمر كرامي وأكمله في علاقته بفيصل كرامي.

تبقى المناصب في السيرة، ويبقى الإنسان في القلوب. وسيبقى نسيم الخوري نظيف الكفّ، صادق الكلمة، محبّاً لوطنه، وأميناً لمن أحبّ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock