راديو الرقيب
خاص الرقيبخاص سلايدرمقالات

هل نقبل ونسكت عن قرار اغلاق ثانوية الملعب؟!

خاص الرقيب

ثمّة أماكن في طرابلس نمرّ أمامها، فيعود إلينا عمرٌ كنّا نظنّه مضى. نلمح باباً، فنسمع أصواتاً قديمة. ننظر إلى نافذة، فنتذكّر وجهاً، أو درساً، أو صديقاً افترقت بنا الطرق وبقي اسمه محفوظاً في القلب.

ثانوية الملعب واحدة من هذه الأماكن.

اسمها الرسمي ثانوية المربّي حسن الحجة الرسمية، لكنّ اسمها في ذاكرة المدينة هو «الملعب». اسمٌ يعرفه أبناؤها، ويحمل لكلّ واحد منهم حكاية مختلفة؛ حكاية طالب دخلها مرتبكاً وخرج منها أكثر ثقة بنفسه، وأستاذ أمضى سنواته بين صفوفها، وأهل انتظروا عند أبوابها خبراً يفرح القلب.

كم من صباح بدأ هناك على عجل؟ كم من امتحان سهر الطلاب استعداداً له، ثم خرجوا منه يتجادلون في الإجابات؟ كم من علامة صنعت فرحة في بيت، وأخرى صنعت خيبة، قبل أن يأتي أستاذ ويقول لصاحبها إنّ التعثّر لا يعني نهاية الطريق؟

في تلك الصفوف حكايات نجاح وفشل، ومحاولات بدأت من جديد. طالب وجد من يؤمن بقدراته قبل أن يؤمن بها هو، وآخر تعلّم بعد رسوب أنّ الحياة تمنحه فرصة أخرى. بعضهم أكمل إلى الجامعة، وبعضهم دخل ميدان العمل، وبعضهم غادر لبنان، وحمل معه من المدرسة اسماً أو موقفاً أو جملة لم يستطع الزمن أن يمحوها.

وهناك نشأت صداقات تجاوزت المقعد والصفّ والعام الدراسي. أصدقاء تقاسموا القلق والضحك، ثم تقاسموا لاحقاً أفراح الحياة وأحزانها. علاقات بدأت في سنوات المراهقة، واستمرّت حين تغيّرت الوجوه وكبرت المسؤوليات. وربما يكفي اليوم أن يلتقي اثنان منهم، بعد غياب طويل، حتى تعود العبارة الأولى: «بتتذكّر أيام الملعب؟».

هذه الذاكرة تخصّ الناس الذين صنعوها، وتخصّ طرابلس التي احتضنتهم. ومن حقّ المدينة أن تسأل عمّا يُراد لهذا المكان، ومن حقّ أهله أن يرفضوا اختصار كلّ ذلك بورقة إدارية تنهي وجود الثانوية المستقلّ.

تأتي وزيرة التربية بقرار الدمج، تحت عنوان إعادة التنظيم، ويُطلب من الناس أن يتعاملوا معه كأنّه إجراء عادي.

لكنّ ما يبدو عادياً في جدول الوزارة قد يكون خسارة كبيرة في حياة المدينة.

إذا كانت أعداد الطلاب قد تراجعت، فأين الدراسة التي تشرح أسباب التراجع؟ ماذا فعلت الوزارة لمعالجته؟ هل جرى تقييم حاجات المنطقة، وظروف الثانوية، وقدرتها على استعادة دورها؟ وهل قُدّمت لها خطة دعم فعلية، أم مُنحت مهلة وانتُظرت منها النتائج؟

وإذا كانت هناك مشكلة في المبنى أو الإيجار، فأين البحث عن مقرّ بديل يحفظ للثانوية اسمها واستقلالها ودورها؟ حقوق أصحاب العقارات يجب أن تُحترم، وعلى الدولة أن تتحمّل مسؤولياتها أيضاً. أمّا أن تنتهي المشكلة بإنهاء مؤسسة تربوية، فهذا حلّ قاصر يستحقّ الرفض.

إنّ السخف في هذا المنطق الإداري هو سهولة الانتقال من تشخيص التعثّر إلى شطب المؤسسة، من دون أن يرى الناس بوضوح ما جرى لإنقاذها، ولماذا استُبعدت البدائل الأخرى.

والأشدّ استهجاناً أن يُحسم الدمج، فيما يبقى توزيع أفراد الهيئة التعليمية معلّقاً على دراسة وقرار يصدر لاحقاً.

أيُعقل أن يُتّخذ القرار أولاً، ثم يُبحث في مصير من يطالهم؟

إلى أين سيذهب الأساتذة؟ ماذا عن الإدارة والعاملين؟ كيف ستُحفظ حقوقهم وخبراتهم واستقرارهم المهني؟ هل يعرف كلّ واحد منهم أين سيعمل، وما ستكون مهمّته، وكيف سيكمل عامه؟

هؤلاء أشخاص أمضوا سنوات من حياتهم في خدمة التعليم. ومن أبسط حقوقهم أن تكون أمامهم إجابات واضحة قبل تنفيذ قرار يغيّر مكان عملهم ومستقبلهم.

والطلاب أيضاً: هل تكفي عبارة «ثانوية قريبة» لتطمينهم؟ ماذا عن الطريق وكلفة الانتقال، والقدرة الاستيعابية، واستمرار التعليم بلا اضطراب؟ هل نوقشت هذه التفاصيل مع أهلهم، أم تُرك لهم أن يكتشفوها بعد التنفيذ؟

ان الدفاع عن ثانوية الملعب يتضمّن مطلباً تربوياً واضحاً: نريد أن نعرف لماذا تعثّرت، وكيف يمكن النهوض بها، وما البدائل التي دُرست لحماية استمرارها. ونريد أجوبة تحترم عقول الناس، وتقدّر علاقتهم بهذه المؤسسة.

طرابلس تستحقّ استثماراً في تعليمها الرسمي، وخطة تعيد الثقة إلى مدارسها وثانوياتها. وكلّ مؤسسة عريقة فيها تستحقّ أن تُمنح فرصة إنقاذ جدّية قبل اتخاذ قرار ينهي حضورها.

لذلك، المطلوب تعليق تنفيذ الدمج، ونشر حيثياته ودراساته، وفتح حوار مع الإدارة والأساتذة والأهالي والخريجين وفاعليات المدينة، لوضع خطة تحفظ الثانوية وحقوق أهلها.

ولخريجي الملعب دور أيضاً. فالذاكرة التي نستعيدها بمحبة يمكن أن تصبح قوة لحماية المكان.. شهادات، ومبادرات، ولجنة دعم، ومتابعة جدّية تضع أمام الوزارة خيارات عملية لاستمرار الثانوية. أمّا السكوت، فسوف يجعل الاعتراض على الخسارة التالية أصعب.

هل نقبل ونسكت عن قرار إغلاق ثانوية الملعب؟

لا، لأنّ وراء هذا الباب وجوهاً وأعماراً وحكايات، وأمام هذا الباب أجيالاً تستحقّ أن تُمنح فرصتها أيضاً.

نريد أن يبقى باب الملعب مفتوحاً ليدخل منه طلاب جدد، ويصنعوا صداقاتهم، ويتعثّروا وينهضوا، ثم يعودوا بعد سنوات ليقولوا بدورهم من هنا بدأت حكايتنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock