لبنان والساعة: ماذا لو توقّف الزمن عن التبدّل؟

بقلم: الصحافية لبنى عويضة…
خاص: جريدة الرقيب الالكترونية
مرّتين في السنة، في ليلة السبت الأخير من تشرين الأول وفي ليلة السبت الأخير من آذار، ينام اللبناني وهو يعرف أن الصباح لن يشبه ما قبله. أمٌّ تنظر إلى هاتفها ثم إلى ساعة الحائط لتعرف أيّهما تصدق، وموظفٌ يصل إلى مكتبه فيجد زميلًا سبقه وآخر لم يصل بعد، وسائقٌ يسأل رفيقه بنبرة اعتادها الجميع “منقدّمها أو منرجّعها”؟
سؤالٌ بسيط، لكنه يعود كل عام كأنه يحمل تعب سنةٍ كاملة. وهذه المرة لم يبقَ على ألسنة الناس وحدها، بل انتقل إلى طاولة مجلس الوزراء، حيث يتم الحديث عن طرح لبحث تغيير الساعة في جلسة الحكومة. ولم يعد السؤال متى نحرّك العقارب، بل: ماذا لو لم نحرّكها أصلًا، وبقينا على التوقيت الحالي؟ إن صار هذا الطرح قرارًا رسميًا، فلن يكون تعديلًا في ساعة، بل تغييرًا في علاقة اللبنانيين بالوقت نفسه.
فالوقت ليس تفصيلًا في حياة الناس. هو جرس المدرسة، وطابور المصرف، وموعد الرحلة في المطار، وموعد العشاء الذي ينتظر فيه الأب أولاده، ومكالمة الابن المغترب الذي يحسب فارق الساعات قبل أن يتصل بأمه. ومن هنا أقوى حجج التثبيت: الراحة. حين تبقى الساعة واحدة طوال العام، يخفّ الالتباس في الاجتماعات والسفر والاتصالات، ولا تضطر المؤسسات إلى إعادة ترتيب جداولها مرتين في السنة.
وللفكرة وجهٌ أدفأ. فلو اعتُمد التوقيت الصيفي على مدار العام، لطالت ساعات المساء بضوئها. تخيّلوا الموظف الذي يخرج من عمله والشمس لا تزال على الأفق، فيمرّ بالسوق، أو يمشي قليلًا على الكورنيش، أو يصل إلى بيته قبل أن يبتلع الظلام الشوارع. لبلدٍ أنهكته الأزمات، قد لا تكون ساعة إضافية من الضوء ترفًا، بل نَفَسًا صغيرًا بعد نهار طويل.
لكن علينا ألا نحوّلها إلى وعدٍ سحري، فالضوء الذي نكسبه في المساء نأخذه من الصباح. في الشتاء سيتأخر الفجر، وفي قرى الجبل سيخرج التلميذ إلى مدرسته والعتمة ما زالت تغطي الطريق، والبرد يقضم يديه، وأمّه واقفة عند الباب تراقبه حتى يبتعد. فما يربحه المساء قد يخسره الصباح ثمنًا.
لذلك لا يكفي أن نسأل أيّ التوقيتين أفضل. السؤال الأصدق: كيف نوزّع ساعات النهار على حياة الناس بما يشبههم؟ وعلى الحكومة، وهي تبحث الملف، ألا تتعامل معه كردّ فعلٍ على جدلٍ موسمي، بل أن تقرّر بعد دراسةٍ تسأل المدارس عن أطفالها، والمصانع عن عمّالها، وقطاع الكهرباء عن أحماله، وتنظر في علاقة لبنان بالدول التي يتعامل معها.
وربما لهذا تبدو قضية الساعة أكبر من حجمها. فاللبناني الذي عاش حروبًا وانهيارات أقسى من أي ساعة، لا تكمن مشكلته في تقديم الوقت أو تأخيره، بل في أن بلده فقد إيقاعه الثابت منذ سنوات، من كهرباء تأتي وتغيب بلا موعد، وأسعار تتبدّل بين الصباح والمساء، وقرارات تتقلّب مع كل ظرف. الناس لا تريد أن تعرف فقط “كم الساعة؟”، بل أن تطمئن إلى أن المدرسة تفتح في وقتها، وأن العمل ينتهي في موعده، وأن الدولة تسير على قواعد لا تتبدّل كلما تبدّلت الريح.
قد يكون تثبيت الساعة بداية صغيرة لتثبيت شيءٍ أعمق وهو إحساسنا بأن لحياتنا انتظامًا نستند إليه. فالساعة لا تصنع النهار ولا الليل، الشمس هي التي تصنعهما. أما نحن، فنقرّر كيف نعيش بينهما.



