راديو الرقيب
خاص الرقيبخاص سلايدرمقالات

7 أكتوبر… ثلاث سنوات على يومٍ لم ينتهِ


بقلم: لبنى عويضة…

خاص: جريدة الرقيب الالكترونية

لم يعد أحد ينطق “7 أكتوبر” ببراءة التاريخ. صار تاريخاً يحمل في فمه موقفاً؛ كلٌّ يقوله بنبرة ووجع مختلفين، ولا يسمع الآخر منه إلا ما يؤكد جرحه. وبعد ثلاث سنوات، لا يكفي أن نعرف ما جرى في ذلك اليوم، فالأهم أن نفهم لماذا لم نعد قادرين على الاتفاق حتى على تسميته، ولماذا يُراد للفلسطيني أن يبدأ حكايته من ذلك الصباح، لا من العقود التي سبقته.
فالحكاية لم تبدأ في ذلك الصباح. بدأت قبله بعقود من الاحتلال والحصار والتهجير، من أرضٍ تُنتزع بيتاً بيتاً، وحواجز تُقطّع أوصال الناس، وقطاعٍ محاصر يعيش أهله في سجنٍ مفتوح. وفي هذا السياق، شنّت حماس وفصائل مسلحة هجوماً على جنوب أراضي العدو الإسرائيلي، قُتل فيه نحو 1200 شخص وأُسر أكثر من 250، بحسب أرقام صادرة عن العدو الإسرائيلي وأميركية. ثم جاءت حرب على غزة خلّفت دماراً ونزوحاً وأزمة إنسانية تجاوزت حدود القطاع، ودفع الفلسطينيون العزّل ثمنها من أرواحهم وبيوتهم وأطفالهم، فقد أدت حتى تاريخ اليوم إلى إستشهاد اكثر من 74245 شخص، و إصابة 175267 وفقاً لما قالته الشرق للأخبار في قطاع غزة فقط. لكن الواقعة، على ثقلها وفاجعتها، ليست الأهم؛ الأهم هو الافتراضات التي هزّتها، والأبعاد التي فتحتها.
فمن جهة، قامت عقيدة العدو الإسرائيلي طويلاً على أن التفوق التقني والاستخباري والسياج الذكي يكفي لاحتواء غزة وإدارتها بأقل كلفة، وقد سقط هذا الافتراض في ساعات. غير أن الدرس المقابل لا يقل أهمية، فالرد العسكري الهائل لم يُنتج بدوره أمناً مستداماً. فتدمير القدرات شيء، وصناعة الاستقرار شيء آخر، وما لم يُملأ الفراغ السياسي بعد القوة، سيملؤه ما هو أسوأ.
ومن جهة أخرى، راهنت حماس على أن الصدمة تكسر الجمود وتفرض القضية على الطاولة. وقد عادت القضية فعلاً إلى الصدارة، لكن بثمن بشري وعمراني فادح تحمّله المدنيون الفلسطينيون قبل غيرهم، وبلا أفق سياسي ملموس حتى اليوم. وهنا مفارقة قاسية، إذ قد تُحدث العمليات الكبرى ضجيجاً، لكنها لا تصنع بالضرورة مكاسب سياسية. ويبقى، في المقابل، أن تجاهل القضية الفلسطينية لسنوات، واستمرار الاحتلال والحصار، جزءٌ أصيل من البيئة التي انفجر فيها الوضع.
وقد كشف ذلك اليوم أن الجبهات ليست منفصلة. من جنوب لبنان إلى البحر الأحمر، ثم المواجهة المباشرة بين العدو الإسرائيلي وإيران وحلفائها، تبيّن أن شرارة واحدة قادرة على إيقاظ سلسلة كاملة، حتى قناة السويس دفعت ثمناً باهظاً. لكن الصورة ليست قتامة خالصة، فقد ظهرت أيضاً حدود ما يستطيع كل طرف أن يذهب إليه، إذ يحسب كلفة التصعيد الشامل. إنه توازن ردع هشّ، لا سلام.
وعلى صعيد القانون، وضعت الحرب النظام الدولي أمام اختبار عسير. تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية، ورفض العدو الإسرائيلي اختصاصها ونفيه اتهامات جرائم الحرب، والجدل الحاد حول معنى “التناسب” و”حماية المدنيين”، كلها كشفت فجوة بين النصوص والتطبيق. فالفلسطيني الذي يُطلب منه أن يحتكم إلى القانون الدولي يرى هذا القانون يتعثر كلما اقترب من المحتل. ومن يرى المحاسبة انتقائية ومن يراها متأخرة يلتقيان في شعور واحد، وهو أن العدالة تأتي ناقصة.
وخارج المنطقة، انعكست الحرب على السياسة الداخلية للدول الغربية، في جامعاتها وشوارعها وحملاتها الانتخابية، حيث خرج الناس يقولون إن الظلم الواقع على الفلسطينيين لم يعد قابلاً للتجاهل. اعترفت بريطانيا بدولة فلسطين، وتبعتها فرنسا وكندا. إنه تحول حقيقي في المزاج السياسي، لكنه لم يصبح بعد ضغطاً يغيّر الوقائع على الأرض؛ فالاعتراف الرمزي يفتح باباً، ولا يبني دولة.
أما في الوجدان، فقد صار لليوم الواحد روايتان: رواية العدو الإسرائيلي التي جعلته مرجعاً يبرّر حرباً مفتوحة، ورواية فلسطينية تتذكر القصف والشهداء والنزوح والفقد، وتتذكر قبلها نكبةً لم تُغلق فصولها. وحين تتحول الذاكرة إلى أداة سياسية، تُمحى معاناة الفلسطيني من الحساب، ويُطلب منه أن يعتذر عن وجعه. وهذا أخطر ما أنتجه ذلك اليوم: تصلّب الوجدان، إذ يغدو الاعتراف بألم الضحية، وهو شرط أي عدالة، أصعب ما يمكن تقديمه.
وحتى بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، بقيت الملفات الجوهرية معلّقة، كسلاح حماس، وانسحاب العدو الإسرائيلي، وحكم غزة، وإعادة الإعمار. وليس هذا تفصيلاً تقنياً، بل جوهر المسألة. فوقف النار أوقف القتال، لكنه لم يحسم من يحكم، ومن يحمي، ومن يعمّر، وعلى أي أساس سياسي. وما دامت هذه الأسئلة بلا جواب، يبقى الهدوء مؤقتاً مهما طال، ويبقى الفلسطيني بين الركام والخيام ينتظر حقاً لا يُمنح.
إذن، لا تحتاج هذه الحرب إلى مزيد من الشرح، بل إلى من يجرؤ على إنهائها بالسياسة. ففي غزة أمٌّ تنتظر خبراً عن ابنها بين الركام والخيام، ولا أحد يملك لها جواباً. وفي الضفة يتمدد الاستيطان فتضيق فكرة الدولة يوماً بعد يوم، والسلطة الفلسطينية غائبة عن لحظة القرار، وحكومة العدو الإسرائيلي تتهرب من مسؤولية الإخفاق بمزيد من الحرب. أما العواصم العربية فتوازن بين الوساطة والتطبيع والخوف من الانفجار، وتمسك واشنطن بخيوط التفاوض بنفوذ لا يملكه سواها. والحقيقة التي يعرفها الجميع ولا يقولها أحد: لا شيء من هذا يُحسم بالسلاح. من يريد أماناً حقيقياً عليه أن يقبل بأفق سياسي يعيد للفلسطينيين تمثيلاً شرعياً وحقوقاً غير منقوصة. وكل هدنة من دونه ليست سلاماً، بل مهلة قبل الجولة المقبلة.
وفي النهاية، ليس صحيحاً أن 7 أكتوبر خلق شرقاً أوسط جديداً. ما فعله أنه عجّل بأزمات كانت كامنة، وربط ملفات بدت متفرقة، وأعاد ترتيب الأولويات. والدرس الأوضح أن القوة، مهما بلغت، تغيّر الوقائع ولا تجيب عن الأسئلة السياسية، وأن القضية الفلسطينية لا تموت بالحصار ولا بالركام.
إذن، تغيّر الكثير في ثلاث سنوات، والقضية التي سبقت ذلك اليوم لم تغادر مكانها. الفلسطيني ما زال يطلب دولة وكرامة وأماناً، والعدو الإسرائيلي ما زال يراهن على القوة وحدها، والمنطقة ما زالت تبحث عن صيغة تمنع الحرب من القفز بين الجبهات.
7 أكتوبر لم يصبح بعد صفحة في كتاب التاريخ. إنه لم ينتهِ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock