طرابلس تحتضن أمسية موسيقية عالمية مع عازف البيانو إياد صغيّر بدعم من روتاري طرابلس كوزموبوليس

حين خفتت الأضواء في مركز الصفدي الثقافي في طرابلس، مساء الجمعة 30 تشرين الأول، وساد ذلك الصمت المترقّب الذي يسبق النغمة الأولى، بدا أن المدينة بأكملها تُرهف السمع. كان للأمسية التي حملت عنوان “من أوروبا إلى الشرق… رحلة عبر الموسيقى” (From Europe to the East, A Journey Through Music) موعد مع الجمال، في رحلة تجاوزت حدود العزف لتلامس ذاكرة الحضارات وتنوّع ثقافاتها.
كانت هذه الليلة أشبه بـ«سيمفونية للحضارات»، دعا إليها نادي روتاري طرابلس كوزموبوليس، بالتعاون مع مهرجان “موسيقيات بعبدات” Les Musicales de Baabdath)، وبدعم من المجلس الثقافي البريطاني، وقد حضرها رئيس اتحاد بلديات طرابلس المهندس وائل زمرلي ورئيس مجلس ادارة المعرض الدكتور هاني شعراني وقائد فوج الاطفاء السيد محمد المصري و ممثل محافظ المنطقة الروتارية السيد ياسر السيد ومستشار المنطقة الروتارية المهندس احمد حسيني ورؤساء نوادي الروتاري في طرابلس والكورة واعضاء أندية الروتاري، اضافة لثلة من الشخصيات المدنية والأمنية والثقافية والمهتمين بالموسيقى الكلاسيكية.
جلس عازف البيانو إياد صغيّر أمام آلته، وأخذ الحضور في رحلة موسيقية تنقّلت بين المدارس الكلاسيكية الأوروبية وأطياف الشرق. ومن خلال أعمال كبار الموسيقيين، من بيتهوفن إلى شوبان، تتابعت الألحان في مشهد جمع بين دقة الأداء وثراء التعبير.
وكان إلى جانبه الدكتور هتاف خوري، المؤلف الموسيقي والأكاديمي اللبناني، الذي قدّم الأمسية وتولّى دور الدليل في هذا الترحال، فاتحاً لكل محطة بابها بكلمة تضعها في سياقها الفني والثقافي، حتى بدت الأعمال المعزوفة فصولاً متصلة من حكاية موسيقية واحدة.
ومن أبرز لحظات الأمسية عزف صغيّر مقطوعة من تأليف خوري نفسه، في لقاء جمع المؤلف والعازف على مسرح واحد، وأتاح للجمهور الإصغاء إلى مؤلّف موسيقي لبناني معاصر من خلال أداء عازف قادم من خارج الحدود، في صورة تختصر قدرة الموسيقى على عبور المسافات والتقاء التجارب.
أما إياد صغيّر، فهو عازف بيانو أردني من أصول فلسطينية، بدأت علاقته بالموسيقى في سنواته الأولى، قبل أن يصقل موهبته بالدراسة الأكاديمية في مؤسسات موسيقية متخصصة في بريطانيا، وينطلق بعدها إلى مسارح وقاعات دولية عديدة.
أما الدكتور هتاف خوري، ابن طرابلس، فيحمل دكتوراه في التأليف الموسيقي، وله رصيد غني من الأعمال السيمفونية والكونشيرتوهات والمؤلفات الموسيقية التي عُزفت في بلدان عدة. وتقوم تجربته على الجمع بين تقنيات التأليف الكلاسيكي الغربي والموروث الموسيقي الشرقي، في محاولة لصياغة لغة موسيقية تتجاوز الحدود بين الثقافات، وهو ما عكسته الأمسية بوضوح.
ولم تكن الليلة موسيقى فحسب، إذ خُصّصت عائداتها لنشاط خيري يهدف إلى جمع التبرعات دعماً لفوج اطفاء طرابلس، في تأكيد على أن الفن الراقي لا ينحصر في قيمته الجمالية، بل يستطيع أن يتحوّل إلى مساحة للعطاء، وأن يمدّ جسوراً بين الثقافات والمبادرات التي تخدم المجتمع.
وفي ختام الأمسية، بقي ما هو أبعد من التصفيق؛ بقيت صورة طرابلس وهي تنصت إلى الموسيقى العالمية، وتحتفي بإبداع أبنائها، وتؤكد أن جمهورها متعطّش إلى تجارب ثقافية وفنية تليق بتاريخ المدينة ومكانتها. فمثل هذه المبادرات لا تمنح المدينة أمسية جميلة فحسب، بل تعيد وصلها بمشهد ثقافي أوسع، وتفتح أمامها نوافذ جديدة على العالم.
لبنى عويضة





