لبنان يطفئ أنوار مؤسساته… أزمة الكهرباء تكشف المستور

بقلم: الصحافية لبنى عويضة…
خاص: جريدة الرقيب الالكترونية
ليس مألوفاً أن تصل دولة إلى مرحلة تهدد فيها مؤسساتها الرسمية بقطع الكهرباء عنها بسبب عدم تسديد فواتيرها. لكن هذا ما يحدث في لبنان اليوم، حيث دخلت أزمة مستحقات مؤسسة كهرباء لبنان مرحلة جديدة، مع توجيه إنذارات إلى مجلس النواب والسراي الحكومي وعدد من الوزارات والإدارات العامة، في مشهد يتجاوز مسألة الجباية والتحصيل المالي، ليكشف خللاً أعمق في إدارة الدولة ومؤسساتها.
وقد أعلن مجلس إدارة المؤسسة، اليوم الاثنين، المباشرة بتحديث لوائح الجهات المتخلّفة عن الدفع وإعطاء التوجيهات اللازمة لتنفيذ القطع. قرار يبدو في ظاهره إدارياً صرفاً، لكنه في جوهره اعتراف بأن الدولة لم تعد قادرة على أن تفرض على نفسها ما تفرضه على مواطنيها.
الو ذلك، لا تُقاس قوة الدولة بحجم أجهزتها، بل بقدرتها على إنفاذ القواعد على الجميع، بدءاً من مؤسساتها هي. والمواطن اللبناني الذي يُقطع عنه التيار إن تأخر عن الدفع يرى اليوم أن الإدارات التي تحاسبه تتأخر بلا حساب. وهنا يتآكل شيء لا تعوّضه الجباية: الثقة بعدالة القاعدة نفسها. فحين تُستثنى الدولة من قوانينها، يتعلّم الناس أن الالتزام خيار لا واجب.
غير أن الحل ليس في العتمة. تخيّلوا محطة ضخ للمياه تتوقف لأن مؤسسة المياه لم تسدد فاتورتها، فيقف الأهالي في الصيف الحار أمام صنابير جافة، يدفعون ثمن خلاف لا يد لهم فيه. هكذا تتحول المحاسبة بين المؤسسات إلى عقوبة جماعية على المواطن، وهو آخر من يتحمل مسؤولية هذا الإهمال.
ولا يعني ذلك أن مؤسسة كهرباء لبنان مخطئة في المطالبة بحقها. فهي تعمل منذ سنوات تحت ضغط مالي وتشغيلي خانق، وكل دين غير مسدد ينتقص من قدرتها على تأمين الخدمة نفسها. لكن الحق في التحصيل لا يبرر أداة تضرب المرافق الحيوية، والجواب الصحيح مؤسسي لا عقابي: جدولة واضحة للديون الحكومية، وتحديد من يتحمل كل التزام، وإدراج كلفة الكهرباء في موازنة كل إدارة بحيث لا تبقى بنداً مؤجلاً.
فقد تُسوّى الفواتير ويعود التيار إلى المباني الرسمية، لكن الخلل الذي كشفته هذه الأزمة لن يُسوّى بالتسديد وحده. فحين تعجز الدولة عن الوفاء بما عليها لنفسها، يصبح السؤال أبعد من قيمة الفاتورة: من يتحمل مسؤولية هذا الخلل، وبأي حق تطالب مواطنيها بما لا تلتزم به؟




