قانون الإعلام الجديد في لبنان: تشريعٌ يرتدي ثوب العصر… ويُبقي قلم الصحافي تحت المقصلة

بقلم: الصحافية لبنى عويضة…
خاص: جريدة الرقيب الإلكترونية
بعد أكثر من ستة عشر عاماً من الانتظار والتجاذبات والتعديلات المؤجّلة، خرج قانون الإعلام الجديد إلى النور في مجلس النواب مطلع الأسبوع. خطوة كان يُفترض بها أن تُنهي إرث تشريعٍ عتيق لم يعد يشبه إعلام اليوم، ولا يستوعب ثورةً رقمية أعادت رسم المشهد برنّة هاتف أو كبسة زر.
كان مقرراً لهذه اللحظة أن تكون تاريخية؛ نقطة تحوّل وانتصاراً مستحقاً في مسيرة النضال الصحافي اللبناني. فما كان منتظراً هو توسيع أفق الحريات، وإرساء حماية قانونية، وتنظيم قطاعٍ اتسعت فوضاه بقدر ما اتسعت منصاته. لكن، وما إن خرج القانون إلى النور حتى بدأت عاصفة الاعتراضات من نقابتي الصحافة والمحررين، ليتحوّل سريعاً من مشهدٍ إصلاحي إلى ساحة مواجهة جديدة بين المشرّع والقلم الصحافي.
ومن باب الإنصاف، لا بد من القول إن المشكلة ليست في النص بمجمله. فالقانون يحمل في طياته إصلاحات هيكلية طال انتظارها؛ من الاعتراف بالإعلام الإلكتروني وتنظيمه، إلى تكريس حق الرد، وإنشاء هيئة وطنية مستقلة للإعلام، وصولاً إلى إلغاء التوقيف الاحتياطي وإنهاء العمل بمحكمة المطبوعات بصيغتها التقليدية. لكن الإصلاح لا يُقاس بعدد المواد، بل بمنسوب الأمان.
فهل جاء القانون ليحمي القَلَم، أم ليُثقِلَه بالقيود؟
تطلّ المادة 104 كجرحٍ مفتوح في جسد النص، معيدةً عقوبة السجن إلى الواجهة عبر بندٍ مطّاطي تتّسع فيه التأويلات، وتتقلّص معه مساحة الضمانات.
ونحن لا نطلب حصانةً للتزوير، فالصحافة ليست ترخيصاً للتضليل؛ لكن شتّان بين جُرمٍ متعمّد وخطأٍ غير متعمّد، بين شرف الكَشف وإثم الفَبركة، وبين من يبحث عن الحقيقة ومن يعبث بها.
فالصحافي الذي يختلق واقعةً ويعرف زيفها ليس كمن ينقل معلومةً بعد التحقق منها ثم يتبيّن خطؤها. ومن يزوّر الحقيقة ليس كمن يسعى إليها. وبين الاثنين، لا يجوز أن يضيع الفارق في متاهة نصٍّ فضفاض أو تأويلٍ قابل للتمدد.
وحين تغدو نصوص الحبس مرنةً في يد السلطة، يتحول القانون من حِصنٍ يحمي الحقوق إلى سيفٍ يحرس النفوذ. وتصبح المسافة بين حرية الكلمة وحيرة الكاتب قصيرةً إلى حدٍّ مخيف؛ فيستبدل الصحافي سطوةَ السلطة بسطر الرقابة الذاتية، ويزن كلماته لا بميزان الحقيقة وحدها، بل بميزان الخوف أيضاً، خشيةَ أن تتمدّد كلمةٌ واحدة في التأويل حتى تقوده إلى الزنزانة.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية: ليس في أن يُسجن الصحافي فحسب، بل في أن يخشى السجن قبل أن يكتب.
فالصحافة التي تبدأ بسؤالٍ وتنتهي بخوف، تفقد شيئاً من معناها. والصحافي الذي يتوقف قبل كشف الحقيقة لا يعود يراقب السلطة، بل يراقب نفسه.
إن الدولة العادلة لا تحمي الناس من الإعلام فحسب، بل تحمي الإعلام أيضاً من بطش أصحاب النفوذ. فحرية الصحافة ليست امتيازاً للصحافي، بقدر ما هي حقٌّ للجمهور في أن يعرف، وحقٌّ للمجتمع في أن يُسأل المسؤول ويُحاسَب.
ومهما تجمّل القانون بنور التحديث، فإن ضبابية عقوبة السجن تستطيع أن تلفّه بـ “ديكور” الترهيب. فالقانون الحديث لا يكون حديثاً في شكله فقط، بل في فلسفته أيضاً؛ ولا تكفي رقمنة النصوص إذا بقيت عقلية العقاب القديمة تقف خلفها. القصة، إذن، ليست هل نريد قانوناً جديداً؟ بل أيّ قانون نريد؟
أقانوناً يزرع اليقين في نفس الصحافي، أم يغرس التردّد في يده وهو يحمل قلمه؟
أقانوناً يفتح نوافذ الإعلام على الضوء، أم يترك خلفها باباً موارباً للسجن؟
لا يُكتمل الإصلاح بإصدار القانون، بل بتحصينه من التأويل الفضفاض، ونزع سيف السجن من النصوص التي تمسّ العمل الصحافي، ووضع حدودٍ واضحة تفصل بين الكذب المتعمّد والخطأ المهني، وبين التحريض والجهر بالرأي، وبين التشهير والمساءلة المشروعة.
فالإعلام لا يحتاج إلى قانونٍ يخيفه كي يكون مسؤولاً؛ يحتاج إلى قانونٍ يحاسبه حين يخطئ، ويحميه حين يصيب.
وإذا كان القانون الجديد قد خطا خطوةً إلى الأمام في تحديث التشريع، فعليه أن يكمل الطريق؛ لأن الإصلاح الذي يضيء جانباً من الطريق، ويترك جانباً آخر في العتمة، يبقى إصلاحاً ناقصاً.
قانونٌ يرتدي ثوب العصر، نعم… لكن لا يجوز أن يبقى قلم الصحافي تحت المقصلة.


