راديو الرقيب
خاص الرقيبخاص سلايدرمقالات

من يربح من قمامة لبنان؟

بقلم: الصحافية لبنى عويضة…


خاص: جريدة الرقيب الإلكترونية

لم تعد النفايات مشكلة بيئية فحسب، بل باتت أيضًا أزمة جهل بقيمتها الاقتصادية. فكل كيس يخرج من المنازل يحمل في داخله مواد أولية تتصارع عليها أسواق إعادة التدوير، لكننا في لبنان نتعامل مع القمامة كأنها عبء يجب دفنه بأسرع وقت، وبأعلى كلفة. والنتيجة؟ مدن تغرق بالروائح، وبلديات تقف مكتوفة الأيدي عجزًا، واقتصاد خفي يربح من تحت ركام ما نتركه خلفنا.

لعل ملف النفايات من أكثر الملفات تعقيدًا وإهمالًا في التاريخ اللبناني الحديث. أزمة يومية مزمنة، جرى دفنها تارة في المكبات، وتارة أخرى على الشواطئ، وما إن تُغلق مطامر حتى يُسارع إلى فتح أخرى، على حساب صحة المواطن ومن جيبه أيضًا. عقود من إدارة النفايات، ومليارات تُنفق، ومشاريع وعقود تنتهي غالبًا إلى جدل لا ينتهي. لكن اختزال القمامة في كونها “مشكلة” يسقط، عن قصد أو عن جهل، نصف الحقيقة الأهم.

فالنفايات ليست كتلة صامتة. داخل كل طن منها مواد تحمل قيمًا اقتصادية متفاوتة. وبمجرد أن يغادر كيس القمامة المنزل، تبدأ حوله أسئلة الملكية والسيطرة: من يضع يده عليه أولًا؟ من يفرز؟ من يستخلص القيمة؟ ومن يمسك بمفاتيح أسواق إعادة التدوير؟

المشكلة هنا ليست فقط في البحث عن بقعة أرض جديدة لتكديس هذه الكميات فوقها، بل في حجم الثروة التي نصرّ على دفنها تحت التراب. الكرتون الذي ينتهي في المطمر كان بإمكانه أن يدخل مجددًا في دورة الإنتاج ويخفف الحاجة إلى استيراد الورق. والبلاستيك الذي نتركه للروائح والتحلل له سعر في سوق المواد الخام. والمعادن تُجمع وتُباع، بينما تُترك المواد العضوية لتتخمر وتطلق ملوثاتها بدل تحويلها إلى سماد أو طاقة.

بين كلمة “نفاية” وكلمة “مورد”، تقف منظومة كاملة: جمع، وفرز، ومعالجة، وتسويق. ومن يمسك بحلقات هذه السلسلة لا يرى القمامة كعبء أخلاقي أو بيئي، بل يتعامل معها كمنجم مفتوح.

ولعل الأقسى في هذه المعادلة أن الاقتصاد غير الرسمي تنبّه إلى هذه الحقيقة قبل الدولة. فنشأت، على هامش الحرمان، طبقة كاملة من «النبّاشين» الذين يقتاتون على فرز الحاويات في العراء، بحثًا عن كل ما يمكن بيعه للمصانع أو التجار. هذا المشهد اليومي هو الدليل الأكثر وضوحًا على أن في القمامة قيمة فعلية، لكنها متروكة للفوضى والمصالح الضيقة، بدل أن تُدار ضمن منظومة عادلة تحفظ كرامة العاملين فيها وتخفف العبء عن كاهل الدولة والبلديات.

ولا تتوقف الأزمة عند إهدار القيمة، بل تمتد إلى التخبط الفني والصفقات المشبوهة. وكما حذرت “نقابة الكيميائيين في لبنان” مؤخرًا، فإن اختزال إدارة المواد والنفايات في مجرد “صفقات تجارية” تُمنح لشركات تفتقر إلى الكفاءة، واللجوء إلى حلول ترقيعية كالطمر العشوائي أو خلط المواد، لا يعني فقط هدرًا اقتصاديًا، بل يفتح الباب أمام مخاطر بيئية وصحية قد تتحول إلى قنبلة موقوتة تهدد التربة والمياه الجوفية والسلامة العامة. وهنا بالتحديد تتغير زاوية الرؤية بالكامل.

بالمقابل، في التجارب الدولية، لم تُترك النفايات للحلول الترقيعية، بل تحولت إلى قطاع اقتصادي وصناعي قائم بذاته. في السويد مثلًا، يُستفاد من جزء كبير من النفايات في إنتاج الطاقة والتدفئة، حتى باتت البلاد تستورد نفايات من دول أوروبية لتشغيل بعض منشآتها. وفي كوريا الجنوبية، أدى نظام صارم للفرز، إلى جانب تطبيق مبدأ «ادفع بقدر ما ترمي»، إلى تحويل جزء كبير من النفايات العضوية إلى موارد يمكن الاستفادة منها، بينها السماد والغاز الحيوي.

هذه التجارب لا تعني أن الحلول قابلة للنسخ حرفيًا في لبنان، لكنها تثبت فكرة أساسية في كون النفايات ليست قدرًا أسود يُلقى في مطمر، بل مادة يمكن أن تدخل في دورة اقتصادية إذا وُجدت الإدارة السليمة والبنية التحتية والسياسة العامة الواضحة.

لا يحتاج لبنان إلى اختراع حلول سحرية لملف النفايات. التجارب موجودة، والتقنيات موجودة، والمادة الخام بين أيدينا. ما ينقص هو تحويل النظرة إلى النفايات من “شيء يجب التخلص منه” إلى “مورد يجب استثماره”. فالأزمة، في جوهرها، ليست فقط في كمية ما نرميه، بل في الطريقة التي نتعامل بها معه. اذ ان الفرق بيننا وبين الدول التي نجحت في تحويل النفايات إلى مورد ليس أن حاوياتها مختلفة عن حاوياتنا، بل أنها تنظر إلى ما بداخلها بطريقة مختلفة.

هم يرون في الحاوية موردًا اقتصاديًا يمكن البناء عليه. ونحن نمرّ بقربها ونتمتم: “الله يعيننا على هالبلد”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock