راديو الرقيب
خاص الرقيبخاص سلايدرمقالات

عدنان البكري.. حين يحاول الطب أن يرى المرض قبل أن يظهر

بقلم: لبنى عويضة…

لم يعد السؤال في الطب الحديث كيف نعالج المرض بعدما يظهر؟ بل بدأ يتحول تدريجيًا إلى سؤال أكثر تعقيداً: هل يمكن أن نعرف أن المرض يقترب قبل أن يطرق باب الجسد؟

من هذه النقطة ينطلق الطبيب والجراح اللبناني الفرنسي الدكتور عدنان البكري في مقاربته للطب التنبؤي والوقائي، حيث يلتقي الطب التقليدي مع الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات والطب الدقيق، في محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والمرض. فالمستقبل الطبي، كما يراه البكري، لا يقوم فقط على تشخيص ما هو موجود، بل على قراءة الإشارات التي قد تكشف ما يمكن أن يحدث.

فالمرض، بحسب رؤيته، لا يبدأ بالضرورة لحظة ظهور العارض، فقد تسبقه سنوات من التغيرات البيولوجية الصامتة، التي لا يشعر بها الإنسان ولا تظهر بالضرورة في الفحوص التقليدية. وهنا تحديدًا يجد الذكاء الاصطناعي مساحة مختلفة للعمل، وذلك عبر جمع كميات ضخمة من البيانات، وربط مؤشرات قد تبدو منفصلة، واستخراج أنماط يصعب على الإنسان اكتشافها بمفرده.

ويستند البكري في حديثه عن الطب التنبؤي إلى تجارب بحثية حاولت استخدام البيانات للتنبؤ باحتمال عودة بعض الأمراض بعد العلاج. ومن بينها تجربة تناولت سرطان الكلى، حيث أتاح تحليل البيانات تطوير خوارزمية تساعد في تقدير احتمال عودة المرض لدى المريض. ولعل أهمية هذا النوع من الأبحاث لا تكمن فقط في الخوارزمية نفسها، بل في التحول الذي تمثله، أي من انتظار عودة المرض إلى محاولة تقدير احتمالات عودته والتعامل معها مسبقًا.

ولا يتوقف دور الذكاء الاصطناعي عند التنبؤ. فالخوارزميات أصبحت تدخل بصورة متزايدة في قراءة الصور الطبية وتحليلها، ومساعدة الأطباء على اكتشاف مؤشرات مرضية في مراحل مبكرة. وقد شارك البكري أيضًا في أبحاث تستخدم الذكاء الاصطناعي لمعالجة وتنظيم البيانات الطبية، ومنها عمل بحثي حول استخراج المعلومات الدوائية آليًا من الوثائق الطبية الفرنسية باستخدام تقنيات التعلم العميق، في محاولة لتحويل البيانات الطبية غير المنظمة إلى معلومات قابلة للاستخدام.

لكن السؤال الأهم بالنسبة إلى البكري لا يتعلق فقط بكيفية اكتشاف المرض، بل بكيفية فهم الإنسان نفسه.

فامتلاك شخصين الخلل الجيني ذاته لا يعني بالضرورة أن المرض سيظهر لديهما بالطريقة نفسها. فالجينات ليست قدرًا منفصلًا عن البيئة. اذ ان نمط الحياة، والغذاء، والتلوث، والضغط النفسي وسائر العوامل المحيطة يمكن أن تؤثر في طريقة تعبير الجينات عن نفسها. ومن هنا تبرز أهمية علم التخلّق (Epigenetics)، الذي يدرس التغيرات التي تؤثر في التعبير الجيني من دون تغيير تسلسل الحمض النووي نفسه.

وهذا يقود إلى مفهوم الطب الدقيق والشخصي، حيث لا يعود المريض مجرد حالة تحمل اسم مرض محدد، بل يصبح منظومة بيولوجية لها خصائصها ومسارها الخاص. فالعلاج الذي يناسب شخصًا قد لا يكون هو نفسه الأنسب لشخص آخر، حتى لو تشاركا التشخيص ذاته.

ومن أكثر المفاهيم التي يركز عليها البكري في هذا السياق مفهوم العمر البيولوجي. فالرقم الذي يحدده تاريخ الميلاد لا يخبر بالضرورة القصة كاملة. قد يبلغ شخص ما عمرًا زمنيًا معينًا، بينما تشير مؤشرات جسمه إلى مسار بيولوجي مختلف؛ أسرع أو أبطأ من العمر الذي يظهر على بطاقة هويته.

والأكثر إثارة في هذه المقاربة أن الجسم نفسه ليس بالضرورة وحدة بيولوجية تسير كلها بالسرعة ذاتها. فقد تتقدم بعض الأعضاء في مسارها البيولوجي بصورة مختلفة عن أعضاء أخرى، الأمر الذي يفتح الباب أمام دراسة ما يمكن تسميته «أعمار الأعضاء» ومساراتها الخاصة.

من هنا يأتي مفهوم التوأم الرقمي للجسم البشري (Digital Twin)، أحد الاتجاهات الطموحة في التكنولوجيا الصحية، والذي يقوم على بناء نموذج رقمي يستند إلى بيانات بيولوجية وصحية متعددة بهدف متابعة التغيرات التي يشهدها الجسم ومحاولة فهم مساره بصورة أكثر تفصيلًا.

لكن البكري لا يضع هذه التكنولوجيا في إطار سباق مجرد مع الزمن. فالهدف، في نظره، ليس أن يعيش الإنسان سنوات أكثر وحسب، بل أن يعيش سنوات أكثر بصحة أفضل؛ أن يحافظ على قدراته الجسدية والعقلية، وعلى استقلاليته ونوعية حياته. وهنا ينتقل النقاش من «إطالة العمر» إلى مفهوم أكثر أهمية وهو إطالة الحياة الصحية.

غير أن المعرفة العلمية وحدها لا تكفي. فواحدة من القضايا التي يكرر البكري التشديد عليها هي الفجوة بين المختبر والسوق وبين البحث العلمي وحياة الناس اليومية. فابتكار خوارزمية أو اكتشاف علمي لا يصبح إنجازًا اجتماعيًا كاملًا ما لم يتحول إلى أداة أو خدمة أو مشروع قادر على الوصول إلى الإنسان.

ولهذا يدعو إلى تعاون يتجاوز حدود الاختصاص الواحد، بين الأطباء والمهندسين والباحثين ورواد الأعمال والمستثمرين، لأن مستقبل التكنولوجيا الصحية لن تصنعه المهنة الطبية وحدها، ولا شركات التكنولوجيا وحدها، بل المنطقة المشتركة بينهما.

وفي هذه الرؤية، لا تغيب طرابلس عن المشهد. فالمدينة، التي كثيرًا ما تُختزل في أزماتها الاقتصادية والاجتماعية، يرى البكري أنها تمتلك طاقات بشرية وكفاءات قادرة على المشاركة في مشاريع علمية وتكنولوجية متقدمة. لكن المشكلة، في نظره، ليست في غياب الأفكار بقدر ما هي في غياب البيئة التي تسمح للفكرة بأن تتحول إلى بحث، وللبحث إلى ابتكار، وللابتكار إلى مشروع قادر على الاستمرار.

وهنا ربما تكمن المسألة الأوسع في تجربة عدنان البكري وهي تكمن في محاولة نقل الطب من موقع ردّ الفعل إلى موقع الاستباق، ومن سؤال «ماذا أصاب الإنسان؟» إلى سؤال «ماذا يمكن أن يصيبه، وكيف يمكن أن نمنعه؟».

ففي عالم تتضاعف فيه البيانات الطبية بسرعة تفوق قدرة الإنسان الفرد على قراءتها، يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر من تقنية جديدة. إنه أداة لإعادة ترتيب طريقة فهمنا للجسد والمرض والزمن نفسه.

لكن القيمة الحقيقية لهذه الثورة لن تقاس بعدد الخوارزميات التي ننتجها، بل بعدد السنوات الصحية التي نستطيع أن نضيفها إلى حياة الإنسان، وبقدرتنا على تحويل المعرفة المتقدمة من حبر في الأبحاث وشاشات في المختبرات إلى وقاية حقيقية تصل إلى الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock