وزيرة التربية تمهّد لسياسة التغذية المدرسية

في خطوة تُعد الأولى من نوعها على المستوى الوطني، أطلقت وزارة التربية والتعليم العالي أول تقييم شامل للتغذية والبيئة الغذائية في المدارس الرسمية اللبنانية، كاشفاً عن مؤشرات مقلقة تتعلق بارتفاع معدلات زيادة الوزن والسمنة، وضعف التنوع الغذائي، وتراجع استهلاك الأغذية السليمة، بالتوازي مع انتشار المشروبات المحلّاة والوجبات السريعة والأطعمة فائقة المعالجة.
ورعت وزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي، ممثلة بالمدير العام للتربية فادي يرق، فعالية إطلاق التقرير الوطني تحت عنوان “من الأدلة إلى العمل: نحو مدارس أكثر صحة في لبنان”، في حضور السفير الفرنسي لدى لبنان باتريك دوريل، ورئيسة المركز التربوي للبحوث والإنماء هيام إسحق، والسكرتيرة الثانية في سفارة النروج كاترين هولست، ومديرة الوكالة الفرنسية للتنمية أليزيه بورنيه، وممثلة برنامج الأغذية العالمي أليسون أومان لاوي، وممثل اليونيسف في لبنان ماركو لويجي كورسي، إلى جانب رؤساء وحدات في الوزارة وممثلين عن الجهات الشريكة والداعمة.
يستند التقييم إلى بيانات جُمعت من 528 مدرسة و6,712 طالباً وطالبة و4,449 أسرة، ليشكّل أوسع قاعدة وطنية حتى الآن حول التغذية والبيئة الغذائية للأطفال في سن الدراسة في لبنان.
وكشفت النتائج أن أكثر من نصف الطلاب المشاركين، أي 57%، لا يلتزمون بالتوصيات الغذائية العالمية، فيما أظهر التقرير ارتفاعاً في معدلات زيادة الوزن والسمنة، بالتوازي مع محدودية التنوع الغذائي وارتفاع استهلاك المشروبات المحلّاة والأطعمة السريعة وفائقة المعالجة.
كما رصد التقييم انتشار أطعمة لا تسمح بها الإرشادات المعمول بها داخل البيئة المدرسية، إلى جانب الترويج المباشر والرقمي للأطعمة والمشروبات غير الصحية.
وأفاد نحو طالب واحد من كل 5 بأنه لا يتناول وجبة خفيفة خلال اليوم الدراسي ولا يملك المال لشراء الطعام، فيما برز ضعف القدرة الشرائية للأسر عاملاً أساسياً في تقييد الخيارات الغذائية المتاحة للأطفال.
في المقابل، أظهر التقرير أن الطلاب في المدارس المشمولة ببرنامج الوجبات المدرسية كانوا أكثر التزاماً بالتوصيات الغذائية، كما التزمت منافذ بيع الطعام فيها بالمعايير التغذوية بدرجة أكبر.
وأشار مقدمو الرعاية إلى أن الوجبات المدرسية سمحت للأطفال بتجربة أطعمة مغذية، وخففت الأعباء المالية عن الأسر، وساهمت في زيادة إقبال الأطفال على المدرسة.
في كلمتها التي ألقاها فادي يرق، شددت الوزيرة كرامي على أن التغذية المدرسية ليست خدمة إضافية إلى التعليم، بل جزء أساسي من مفهوم جودته ومن مبدأ تكافؤ فرص التعلم.
وأكدت أن الصحة الجسدية والنفسية والظروف الاجتماعية ترتبط مباشرة بقدرة التلميذ على التركيز والنمو واكتساب المعرفة، في انسجام مع الرؤية الاستراتيجية للتجدد التربوي 2040.
وأشارت كرامي إلى أن تجربة الاستجابة الطارئة خلال الحرب، التي أتاحت توسيع برنامج التغذية ليشمل نحو 150 ألف تلميذ، أثبتت أن التوسع ممكن عندما تتكامل جهود الدولة مع شركائها.
كما كشفت أن الوزارة تضع في صلب أولوياتها تعميم البرنامج تدريجياً على جميع المدارس الرسمية، عبر شبكة من المدارس المحورية المجهزة بمطابخ مركزية، وبالتكامل مع التعليم المهني والتقني.
وشددت على ضرورة أن تتحول المدرسة إلى محور تتكامل حوله الخدمات الصحية والنفسية والاجتماعية، وأن ترتبط بالمعاهد المهنية ومراكز الرعاية والمزارعين والمنتجين المحليين، في شراكة مع الأهل والمجتمع المحلي والقطاعين العام والخاص.
وفي خطوة عملية، أعلنت كرامي إطلاق مسار تشاوري اعتباراً من الأسبوع المقبل لوضع أسس سياسة وطنية شاملة للتغذية المدرسية، تمهيداً لعقد ورشة عمل وطنية خلال الشهر المقبل.
كما كشفت عن العمل على إصدار قرار تنظيمي محدّث للأغذية والمشروبات داخل المدارس، وإدماج الصحة والرفاه ضمن الكفايات المستعرضة في المناهج، ووضع إطار منظم للشراكة مع القطاع الخاص.
من جهته، قال ممثل اليونيسف في لبنان ماركو لويجي كورسي إن التقرير يوجه رسالة واضحة مفادها أن الأطفال لا يتخذون خياراتهم الغذائية بمعزل عن البيئة المحيطة بهم، بل تتأثر خياراتهم بما هو متاح داخل المدرسة وفي محيطها، وبالإعلانات التي يتعرضون لها، وبفرص النشاط البدني، وبالظروف الاقتصادية والاجتماعية لأسرهم.
وشدد على أن تحسين البيئة الغذائية المدرسية يتطلب تنسيقاً بين وزارات التربية والصحة والزراعة والاقتصاد والشؤون الاجتماعية، إلى جانب تعزيز السياسات والتشريعات وحماية الأطفال من تسويق الأغذية غير الصحية.
بدورها، أكدت ممثلة برنامج الأغذية العالمي أليسون أومان لاوي أن التقييم يوفر للبنان قاعدة واضحة للتحرك، مشيرة إلى أن الجمع بين الوجبات المدرسية المغذية والتثقيف الغذائي وبيئة مدرسية أكثر صحة يمكن أن يساعد الأطفال على التعلم والنمو وبلوغ كامل إمكاناتهم.
وأكدت استمرار البرنامج في العمل مع الوزارة وشركائها لتوسيع برامج الوجبات المدرسية المستدامة والتثقيف التغذوي، ولا سيما للفئات الأكثر هشاشة.
من جانبها، شددت مديرة الوكالة الفرنسية للتنمية أليزيه بونيه، باسم السفير الفرنسي، على أن الوجبة الصحية في المدرسة تعزز صحة الأطفال ومواظبتهم على الحضور وتحسن ظروف التعلم، مؤكدة دعم فرنسا لتحويل مبادرات الوجبات المدرسية إلى سياسة وطنية مستدامة تقودها المؤسسات اللبنانية.
كما أكدت ممثلة سفارة النروج كاترين هولست أن إطلاق التقييم يشكل خطوة أساسية نحو إرساء برنامج مستدام للتغذية المدرسية، مشيدة بالتعاون بين وزارة التربية وبرنامج الأغذية العالمي واليونيسف، ومشددة على أهمية الملكية الوطنية والاستدامة.
وتركزت النقاشات خلال الفعالية على كيفية تحويل نتائج التقييم إلى سياسة وطنية مستدامة للوجبات المدرسية، منسجمة مع رؤية الوزارة، وتقوم على آليات واضحة للتنسيق والمتابعة والتمويل.
وختمت كرامي بالتأكيد أن “ما يُبنى اليوم في المدارس لن يبقى داخل صفوفها، بل سيكبر مع الأطفال ليصبح لبنان الذي سيصنعونه غداً”.




