راديو الرقيب
خاص الرقيبخاص سلايدرمقالات

من يملك السيادة في لبنان؟

بقلم: الصحافية لبنى عويضة…


خاص: جريدة الرقيب الالكترونية

انتهت جلسة مجلس الوزراء أمس بانسحاب وزراء القوات اللبنانية. لم يكن في الانسحاب صخب، لكنه عكس خلافًا سياسيًا لم تحسمه البيانات. فملف المتفجرات المضبوطة كان على الطاولة، فيما لم تتخذ الحكومة قرارًا بإحالته إلى المجلس العدلي. ولم يكن التأجيل، في تلك الليلة من 22 تشرين الأول، التطور الوحيد الذي وضع سلطة الدولة أمام اختبار صعب.

ففي الأسبوع نفسه، انتهت جولة المفاوضات في تامبا من دون اختراق معلن. وبين الخلاف الداخلي على التعامل مع الملفات الأمنية والتعقيدات الخارجية التي تحكم التفاوض، برز سؤال واحد يتجاوز تفاصيل كل قضية. حين يصبح القرار مكلفًا، من يملك سلطة اتخاذه، ومن يحدد حدود تنفيذه؟

في علم السياسة، تُعرَّف الدولة، وفق مقاربة ماكس فيبر، باحتكار الاستخدام المشروع للقوة. لكن هذا الاحتكار لا يتحقق بمجرد النص عليه قانونيًا، بل بقدرة المؤسسات على ممارسته فعليًا. فقوة الدولة لا تُقاس بعدد القرارات التي تعلنها، بل بقدرتها على تنفيذها حين ترتفع كلفة المواجهة. والسيادة لا تُختبر عندما تتوافق المصالح، بل عندما يصبح تطبيق القانون موضع خلاف، أو يتحول القرار الوطني إلى بند في مفاوضات تحكمها موازين قوى غير متكافئة.

في ملف المتفجرات، قد يكون التريث مبررًا، فالتحقيق يحتاج إلى استكمال معطياته، ومن حق الوزراء المطالبة بتوضيحات قانونية قبل اتخاذ قرار بالإحالة إلى المجلس العدلي. لكن التأجيل من دون معايير واضحة يترك الباب موارباً أمام الشكوك بشأن دوافعه وحدوده. وهنا يظهر الفرق بين سلامة الإجراء وفاعلية المؤسسة. فقد يكون التأجيل سليمًا من الناحية القانونية، لكنه يضعف ثقة المواطنين إذا غابت التفسيرات المقنعة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بملف أمني حساس.

وفي نظام سياسي يقوم على توازنات طائفية وحزبية، لا تتحرك القرارات وفق الاختصاص القانوني وحده، بل تتأثر أيضًا بحسابات الائتلاف الحكومي وكلفة المواجهة واحتمالات التصعيد. وهذا لا يعني أن التأجيل يثبت تعطيل القضاء، إذ لا يجوز إطلاق مثل هذا الاتهام من دون أدلة، لكنه يفرض على الحكومة توضيح الأسس القانونية لقرارها، وتحديد مسار المعالجة ومهلها، بما يمنع تحول التريث إلى حالة مفتوحة.

أما في تامبا، فيتجاوز الخلاف آليات التحقق من الالتزامات الأمنية إلى مسألة أعمق تتصل بمن يحدد قواعد التفاوض وحدودها. فرفض إسرائيل وقف عملياتها العسكرية، مقابل تمسك لبنان بمبدأ المعاملة بالمثل ورفض التنسيق العسكري المباشر، يعكسان تباينًا في تصور الطرفين لشكل الترتيبات الأمنية المطلوبة.

قد تبدو آليات التحقق مسألة تقنية، لكنها في الواقع جزء من معادلة السلطة. فمن يحدد الالتزامات، ويضع معايير قياس تنفيذها، ويفسر وقوع الخرق، يمتلك تأثيرًا مباشرًا في الحكم على سلوك الطرف الآخر. لذلك، لا يمكن التعامل مع آلية المراقبة باعتبارها تفصيلًا إداريًا، لأنها قد تتحول إلى أداة لترسيخ ميزان القوة القائم.

ولا يؤدي ضعف الموقف التفاوضي اللبناني إلى إسقاط حقوق لبنان، كما لا يمنح الانقسام الداخلي حول السلاح إسرائيل حق مواصلة الاعتداءات أو فرض ترتيبات أحادية. لكن هذا الانقسام يضع الدولة أمام معضلة فعلية، تتمثل في كيفية بناء سياسة أمنية وطنية قابلة للتنفيذ، في ظل عدم حسم العلاقة بين مرجعية السلاح وقرار الحرب والسلم، بالتزامن مع مفاوضات يسعى كل طرف فيها إلى تثبيت تصوره الخاص للأمن.

ما يجمع هذين الملفين ليس تطابقهما في الأسباب أو المسارات، بل أنهما يكشفان جانبين من المعضلة اللبنانية. الأول يتعلق بقدرة الدولة على تطبيق القانون داخليًا، والثاني بقدرتها على حماية مصالحها والتفاوض عليها خارجيًا. وفي الحالتين، تتعرض سلطة المؤسسات لاختبار يتجاوز النصوص والصلاحيات إلى مدى قدرتها على تحويل القرارات إلى التزامات نافذة.

هذه هي المعضلة الأساسية في لبنان. فالأزمة ليست أزمة اتخاذ قرار فحسب، بل أزمة تحويل القرار إلى سلطة فعلية لا تتبدل بتبدل هوية الطرف المعني أو حجم الضغوط السياسية والأمنية المحيطة به.

ولا يعني ذلك أن المواجهة الدائمة هي الحل، أو أن التوافق يمثل ضعفًا بحد ذاته. ففي بلد متعدد الطوائف ومحدود الإمكانات، قد يكون التوافق ضرورة لحماية الاستقرار ومنع الانهيار. لكنه يفقد وظيفته عندما يتحول من وسيلة لإدارة الخلاف إلى مبرر مفتوح لتأجيل القرارات، أو عندما تصبح كلفة التنفيذ هي المعيار الذي يحدد على من يُطبَّق القانون.

وينطبق الأمر نفسه على التفاوض الخارجي، الذي لا تُقاس جدواه بمجرد انعقاده، بل بما ينتج منه من التزامات متبادلة واضحة وقابلة للتحقق، تحفظ حقوق لبنان وتمنع اختلال موازين القوة من التحول إلى قاعدة دائمة تحكم علاقته بالطرف الآخر.

فمن يملك السيادة في لبنان؟ دستوريًا، السيادة للدولة التي تمارس سلطتها عبر مؤسساتها، لكن الواقع يكشف فجوة بين امتلاك الصلاحية والقدرة على ممارستها. فعندما تصبح القرارات الأمنية رهينة التوازنات السياسية، وتُختبر المفاوضات الخارجية تحت ضغط اختلال موازين القوى، لا يعود السؤال متعلقًا بمن يملك الحق في اتخاذ القرار، بل بمن يمتلك القدرة على فرض احترامه. وهنا تكمن المعضلة اللبنانية، إذ لا يكفي أن تكون السيادة حقًا للدولة ما لم تتحول إلى سلطة فعلية لا تتجزأ باختلاف الأطراف أو تتراجع تحت وطأة الضغوط.

لذا لا يحتاج لبنان إلى خطاب سيادي جديد بقدر ما يحتاج إلى ردم الفجوة بين الشرعية والقدرة، عبر مؤسسات قادرة على اتخاذ القرارات وتنفيذها وفق القانون، وسياسة أمنية واضحة، وتفاوض يحفظ الحقوق الوطنية. فالسؤال ليس فقط من يملك السيادة، بل ما إذا كانت الدولة تمتلك الأدوات اللازمة لممارستها.

السيادة ليست أن يكون للدولة موقف في كل ملف، بل أن تكون صاحبة القرار ضمن الدستور، وأن تمتلك مؤسساتها القدرة على تنفيذه، وأن تحمي مصالحها في الداخل والخارج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock