حين تنهار الطبقة الوسطى… من يطفئ حريق العالم؟

بقلم: الصحافية لبنى عويضة…
خاص: جريدة الرقيب الالكترونية
قبل أن تسقط الدول، يسقط اليقين الصغير الذي يقوم عليه كل شيء، وهو أن الغد سيكون أفضل من اليوم. وحين يضيع هذا اليقين من حياة ملايين الناس، لا يحتاج العالم إلى حرب ليهتزّ، فالتصدّع يبدأ من الطبقة الوسطى حين تفقد قدرتها على الحلم.
لم تكن هذه الطبقة مجرد مساحة بين الغنى والفقر. منها خرج المعلم والمهندس والطبيب وصاحب المشروع الصغير، وحملت فكرة بسيطة: أن العلم والعمل يرفعان صاحبهما وأبناءه.
اما اليوم، فلا العمل يضمن الاستقرار، ولا الشهادة تضمن المكانة، والدخل يتخلّف عن كلفة السكن والتعليم والعلاج. وحين يعمل المواطن عمره كله ولا يملك بيتاً، يتحول سؤاله المعيشي إلى سؤال سياسي: ما جدوى نظام لا يحفظ لي ثمرة تعبي؟ ومع تكرار السؤال تتراجع الثقة بالمؤسسات والنخب، ويصبح الاحتجاج اعتراضاً على النظام نفسه، ديمقراطياً كان أو غير ديمقراطي، لأن الثقة تتعلق بقدرته على الاستجابة، لا بشكله.
وهذا ما تقوله شوارع أوروبا منذ أسابيع. ففي فرنسا خرج مئات الآلاف احتجاجاً على غلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، وامتزج غضب الطلاب والمعلمين بغضب العمال والمزارعين، حتى لجأت السلطات إلى حظر تجول جزئي في باريس ومدن أخرى. ولم يبقَ الغضب فرنسياً، فقد اشتبكت الشرطة مع متظاهرين في بروكسل وليّج، وخرج المتقاعدون في مدريد دفاعاً عن معاشات عامة كريمة.
وان اختلفت العناوين من بلد إلى آخر، إلا ان الشعور واحد: جيل يعمل ويتعلم ولا يرى طريقاً إلى بيت أو أمان.
فليس كل احتجاج طريقاً إلى التطرف، ولا كل أزمة تنتهي بانهيار. غير أن الفراغ الذي تتركه المؤسسات العاجزة لا يبقى فارغاً طويلاً، إذ تملؤه خطابات تعد بخلاص سريع وتفتّش عن خصوم تحمّلهم الذنب، فيتحول الصراع من العدالة في توزيع الثروة إلى صراع على الهوية والانتماء.
ويزيد الذكاء الاصطناعي المسألة حدّة. فالسؤال ليس هل ستأخذ الآلة وظائف البشر؟ بل من يملك الاقتصاد الجديد، ومن يجني عوائده، ومن يدفع كلفة الانتقال إليه؟ وهي مسألة تتجاوز الداخل، فلا قيمة لترسانة عسكرية ولا لاقتصاد رقمي ضخم إذا كان المجتمع مصدَّعاً، والأمن الحقيقي أن يشعر المواطن بأن له مكاناً آمناً في وطنه.
لقد كانت الطبقة الوسطى الجسر الذي يربط الفرد بالدولة، والعمل بالأمل. وحين يسقط الجسر لا تزول التناقضات، بل يفقد المجتمع أقدم أدواته في احتوائها. وما يجب أن يقلق صنّاع القرار ليس كم بقي من الطبقة الوسطى، بل كم بقي من الأسباب التي تقنع الإنسان بأن الغد يستحق الانتظار. والعالم الذي لا يعيد بناء طبقته الوسطى سيواجه غضباً يتسع أسرع مما يقدر على احتوائه.




