راديو الرقيب
خاص الرقيبخاص سلايدرمقالات

صراع الحضارة في بعلبك: التوازن بين الحجر والبشر

بقلم: لبنى عويضة… خاص جريدة الرقيب الإلكترونية

لم يسلم أهالي مدينة الشمس من التهديد الإسرائيلي؛ فقد تجرأ العدو على قصف هذه المدينة العريقة، معرضاً تراثها وتاريخها لخطر همجية لا تُحتمل. تأخذنا الذاكرة إلى مغول القرن الثالث عشر، وتحديداً هولاكو خان وحفيده جنكيز خان، اللذين أحرقا جزءًا ضخمًا من حضارة بغداد في عام 1258. وأمام همجية العدو، وجد أهالي بعلبك أنفسهم في مأزق كبير؛ فالقلعة ليست مجرد بناء تاريخي، بل هي رمز يمتد عبر أجيال من الحضارات التي تركت بصماتها في لبنان، وهذا ما يشكّل أهميتها التراثية.

تعيش بعلبك اليوم صراعاً بين رغبة السكان في حماية تاريخهم وتراثهم، وبين أولئك الذين يرون أن الأولوية هي للحفاظ على الأرواح. بالمقابل، ليست قلعة بعلبك مجرد معلم محلي، فهي مدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، مما يمنحها اعترافاً دولياً بأهميتها التاريخية والهندسية.
فمن أعمدة قلعتها الرومانية العملاقة إلى صروحها الحجرية الشاهدة على آلاف السنين من التاريخ، تواجه هذه التحفة اليوم تهديدات كبيرة بسبب غوغائية العدو. كما أن هذه القلعة تعتبر جزءًا من هوية ثقافية لا يمكن التخلي عنها، وأي ضرر يصيبها سيكون كفيلًا بأن ينغرس في خاصرة التراث اللبناني وروحه.

مع استمرار التوتر، أطلق محافظ بعلبك-الهرمل، بشير خضر، نداءات عاجلة للسكان بضرورة إخلاء المناطق القريبة من القلعة، محذراً من تفاقم المخاطر. تأتي هذه الدعوات في ظل الصعوبات المتزايدة يومياً في تأمين مناطق للإيواء ونقل الأشخاص الذين يضطرون لمغادرة منازلهم للحفاظ على أرواحهم وحياة أسرهم. وبالفعل، بات بعض الناس يقضون ليلتهم في العراء، بينما وصلت مراكز الإيواء إلى قدرتها الاستيعابية القصوى، مما يزيد من معاناتهم.
أما أولئك الذين قرروا البقاء، فهم المتمسكون بأرضهم ومنازلهم ومصدر عيشهم. يعتبرون أن المرحلة الصعبة ستنجلي حتماً، وأن البقاء بجوار تاريخهم وأرزاقهم أفضل من النزوح والتشتت. ومع تصاعد الأحداث، أصبح هناك ضغط كبير على الجهات الثقافية والحكومية، وبدأت المطالب بالتدخل الدولي من اليونسكو والمنظمات الإنسانية لحماية القلعة وضمان استمرارية هذا الموقع بعد انتهاء النزاع.

يكشف الواقع الحالي في بعلبك عن معضلة أخلاقية وإنسانية في آن معاً؛ إذ كيف يمكن الموازنة بين الحفاظ على المعالم التاريخية والأثرية وضمان سلامة الناس؟! هذه الأسئلة تطرح تحديات حقيقية أمام السلطات المحلية والدولية، وتدفع نحو ضرورة التفكير في خطط وقائية لحماية التراث في أوقات النزاع.
في ظل هذا الصراع، جاء إنذار المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، الذي دعا سكان بعلبك وعين بورضاي ودورس إلى إخلاء منازلهم فورًا، مشيراً إلى أن جيش الدفاع ينوي استهداف منشآت ووسائل قتالية تابعة لحزب الله. إن مثل هذه التهديدات تترك الأثر العميق في قلوب المواطنين، حيث يتجلى الخوف والفقدان في عيونهم، مهددين حياتهم ومستقبل أبنائهم.

وفي النهاية، تبقى قلعة بعلبك شامخة في وجه العدوان الغاصب، كما بقيت واستمرت مدينة النور على مدى مئات الآلاف من السنين. وستبقى بعلبك رمزاً للتعايش بين الحجر والبشر، في ظل عالم يدعي انتشار قيم الإنسانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock