من الردع إلى الانفلات: إلى أين تتجه لعبة الرسائل بين أميركا وإيران؟

بقلم: الصحافية لبنى عويضة…
خاص: جريدة الرقيب الالكترونية
لم تغلق المنطقة بعد دفاتر الحرب السابقة، وها هي لغة الصواريخ تعود إلى الواجهة. فبين الحرب والهدنة مساحة رمادية لا تقل خطورة عن الحرب نفسها، تتحول فيها القوة العسكرية إلى أداة تفاوض، وتصبح الضربات رسائل سياسية بقدر ما هي عمليات عسكرية. والخطر يبدأ حين تتجاوز هذه الرسائل حدودها، حينها يصعب التمييز أين ينتهي الردع وأين يبدأ الانفلات.
هذا ما تفرضه التطورات الأخيرة بين واشنطن وطهران. فبعد أسابيع من الهدوء النسبي، عادت الضربات المتبادلة تحمل احتمالًا مقلقًا وهو مرتبط بكون الهدنة السابقة لم تكن سوى استراحة بين جولتين لا خاتمة لحرب. فالضربة الأميركية على منصات إطلاق إيرانية في جزيرة لارك، القريبة من أحد أكثر الممرات البحرية حساسية في العالم، قوبلت برد إيراني استهدف مواقع أميركية في الأردن. لذا فقواعد الاشتباك، كما يتضح، لم تستقر بعد.
قد يكون التسرّع في قراءة هذا كقرار نهائي بالحرب الشاملة خطأً. إذ أن الدول تصعّد أحيانًا لتفرض الردع، لا لتخوض حربًا، وقبل أن تعود إلى طاولة التفاوض من موقع أقوى. فمن جهة تريد واشنطن أن تثبت أن استهداف مصالحها لن يمر بلا ثمن، وتريد طهران من جهة أخرى أن تؤكد أن ضربها لن يكون مجانياً. وبين الحسابين، يحاول كل طرف أن يُظهر قدرته على الرد من دون أن يبدو مستعدًا للذهاب إلى النهاية.
غير أن الردع، مهما بدا محسوبًا، فهو لعبة محفوفة بالمخاطر؛ فالحرب تبدأ أحيانًا من خطأ في الحساب. الضربة الأولى قد تكون مدروسة، وقد يأتي الرد ضمن الحدود نفسها، لكن لا ضمانة أن تبقى الضربة التالية كذلك. فمع كل جولة تضيق مساحة المناورة، ويصبح التراجع أكثر إحراجًا سياسيًا، خاصة حين يتحول الصمود أمام الخصم إلى جزء من هيبة الدولة. عندها لا يعود السؤال من بدأ أو من كانت ضربته أقوى، بل من يقدر أن يتوقف من دون أن يُقرأ توقفه كهزيمة.
هذه حساسية المرحلة، اذ يبدأ التصعيد كرسالة محسوبة وقد يتحول إلى سلسلة ردود تفرض منطقها الخاص. وكلما اتسعت دائرة الأهداف وسقط ضحايا أكثر، صعُب ضبط الإيقاع، وارتفعت احتمالات دخول أطراف لم تختر الحرب، لكنها وجدت نفسها مضطرة إلى الرد.
ولا يمكن فصل هذا التصعيد عن كلفته الاقتصادية التي باتت محسوسة أصلًا. فمضيق هرمز ليس مجرد نقطة على خريطة الصراع، بل شريان أساسي لحركة الطاقة والتجارة العالمية، وأي اضطراب في الملاحة عبره ينعكس سريعًا على أسعار النفط والأسواق وكلفة النقل والتأمين. ومع استئناف الضربات الأميركية والإيرانية، تجاوز سعر برنت 90 دولارًا للبرميل، فيما عادت مخاوف التضخم والاضطراب في الأسواق إلى الواجهة.
وهذا يعني أن كلفة الحرب لم تعد شأنًا يخص أطرافها المباشرة وحدهم، بل أصبحت جزءًا من أزمة اقتصادية عالمية يعيشها العالم أصلًا. وكلما طال التصعيد أو اتسعت رقعته، ازدادت الضغوط على أسعار الطاقة والتجارة والنمو، في وقت لم تكن فيه الاقتصادات، ولا المنطقة نفسها، قد استعادت بالكامل توازنها من آثار الجولة السابقة
فآثار الحرب لا تنتهي بانتهاء الغارات. اذ خلفها مدن تحتاج إلى إعادة بناء، واقتصادات تحاول استعادة أنفاسها، ومجتمعات لا تزال تحمل النزوح والخوف والخسائر. بالتالي أي مواجهة جديدة لن تبدأ من الصفر، بل فوق أضرار لم تُعالج بعد، وفي منطقة لم تعرف خلال السنوات الماضية حربًا بقيت محصورة داخل حدود أصحابها. فأي ارتفاع في مستوى المواجهة سيجبر إسرائيل ودول الخليج والفصائل الحليفة لإيران والقواعد الأميركية في المنطقة على إعادة حساباتها، لا بالضرورة بفتح جبهات جديدة، لكن برفع منسوب التوتر واتساع دائرة من يملكون التأثير في مسار المواجهة.
من هنا القلق اللبناني. فلبنان ليس الساحة التالية بالضرورة، ولا كل تصعيد أميركي-إيراني يعني عودة تلقائية للمواجهة على جبهته، لكن هشاشته السياسية والاقتصادية والأمنية تجعله أكثر تأثرًا بأي تغيّر في قواعد الاشتباك الإقليمية. والسؤال اللبناني لا يتعلق فقط باحتمال وصول الصواريخ، بل بقدرة الدولة والمجتمع على تحمّل تداعيات توسع الصراع، حتى لو بقي خارج المواجهة المباشرة.
مع ذلك، لا تسمح المعطيات الحالية بالجزم بأن المنطقة متجهة حتمًا إلى حرب شاملة. الكلفة الهائلة لأي مواجهة جديدة، ومخاطر مضيق هرمز، والخسائر المحتملة على الطرفين، وحاجة واشنطن وطهران لإبقاء باب التفاوض مفتوحًا، كلها عوامل تدفع نحو الاحتواء. لكن أن لا يريد الطرفان حربًا شاملة لا يكفي لضمان عدم وقوعها؛ فالدول لا تُحاسب على نواياها وحدها، بل على نتائج أفعالها. لذا فأي تصعيد يبدأ بضربة محدودة قد يتدرج إلى رد ضروري فرد على الرد، إلى أن يصبح الاستمرار أرخص سياسيًا من التراجع. عندها يخرج التصعيد من يد أصحابه.
إذن، السؤال الحقيقي اليوم ليس ما إذا كانت حرب أميركية-إيرانية جديدة ستندلع غدًا، بل ما إذا كانت لا تزال هناك مساحة سياسية وعسكرية كافية أمام واشنطن وطهران للتراجع، قبل أن يصبح التراجع نفسه أكثر كلفة من الاستمرار. فالحروب لا تبدأ دائمًا بقرار واضح ومعلن؛ فهي تبدأ أحيانًا حين تصبح كل ضربة محدودة، وكل رد ضروريًا، وكل تصعيد مؤقتًا، إلى أن يكتشف الجميع أن المؤقت صار واقعًا جديدًا.
وفي منطقة لم تُغلق دفاتر حروبها بعد، ربما لا تكون أخطر لحظة تلك التي يقرر فيها طرفان خوض حرب جديدة، بل تلك التي يفقدان فيها القدرة على منعها.




